الناقد: رسول عدنان
(1)
صلاح فائق شاعر الالتقاطات اليومية، والومضات العابرة له لغة خاصة، اختلفت كثيرا عن جماعة كركوك، لأن جملته الشعرية هي جملة التجريب الشعري لا يتوقف عند لون أو فكرة ما، بل إنه يضرب كل ما حول بقلمه السحري، ليحوله إلى شعر. موهبة متقدة، تستطيع أن ترصد التجدد والتجاوز في كل قصيدة له، حول العالم المرئي واللا مرئي، إلى مسرح لمختبره الشعري. ما وسع قاموسه اللغوي، بل جعل هذا القاموس غير محدد، وغير قابل للإحصاء، كل شيء أمامه مباح، ويستطيع أن يوظف كل ما تقع عليه عيناه ليحوله إلى شعر.
وما يلفت الانتباه في شعريته، إنه لا يضع لونا أو شكلا أو حجما لما يكتب سواء كان قصيدة أم ومضة، أو سطرا واحدا ؟ وهذا مئات من كونه يطارد اليومي العابر بلا سعة ولا حدود ولا أيديولوجيات شعرية أسقطت عليها نظريات بعينها، هو لا يأبه إلا بالشعري، يصوغه بوعيه ولا وعيه، وبدعه يخرج كما يخرج، تتحول المحسنات البديعية مثل الاستعارات والتوريات والتشبيهات إلى لعبة لغوية بحثه.
تراه في هوس وصحب دائمين لا يقف عند تعريف أو مصطلح واحد يخوض في كل التفاصيل، لا علاقة له بالقاموسي بل باليومي العابر يصنع لغته بنفسه، لا يستعير صوره ولا يكررها، إنه كصياد يلقي شباكه في أي مكان من البحر، ويحصد كل ما يعلق فيها، يدع جملته الشعرية تتعرى أمام الوجود، أمام الحياة، إنه شاعر الأمل. ولا تجد ذلك التشاؤم في كتاباته، يحاول أن تكون تجربته الشعرية انعكاسيا لتجربته اليومية، منحازة إلى روعة الحياة بعيدة عن التشاؤم، حيث حول الكتابة إلى خيار له، إلى حياة أخرى تماهي الحياة التي يعيشها.
يبني مفهومه للتجدد على الحدس وكأنه يحول هذا الحدس إلى دينمو للتجديد، يجعل لغته الشعرية تحتفي بالميتالغة بصورة مثيرة، إنه يتوخى المدهش والمثير في اليومي العابر الذي يتحول إلى لغة غاوية تشد المتلقي، بصورة سريعة متجددة متنوعة، كينبوع ماء متدفق، تقف على جدرانه، أسراب الطيور، وقطعان من الدببة، وتشرب منه النسور، وهو ينظر إليها من نافذة قريبة جدا ومن مكان غير معروف ولا محدد، لأنه يقف في منطقة الشعر، هذه المنطقة التي لا يصلها غير الشاعر الحاذق، يتكئ على حائطها. ليرى مخلوقاته التي خلقها عبر لغة خاصة به.
إنها ماركة مسجلة باسمه دون غيره من يتتبع كتاباته الشعرية يجد مفارقة لافتة، ألا وهي إنه يسعى إلى مفهوم الكتابة، أي الكتابة المطلقة، غير المحددة بسمة ماء تلك التي تحول قصيدته إلى لعبة لغوية من خلال توظيفه للمحسنات البديعية خاصة من استعارات ماكرة ومخادعة توريات لها مقاصد عميقة، من خلال مفارقات ترتقي بالصورة الشعرية، فضلا عن الجملة الشعرية، إلى صور تكون أكثر إثارة، وأكثر دهشة وأكثر اختلافا وغرائبية.
اللغة التي يتخذها تبتعد عن أساليب البلاغة المعقدة، لأنها لغة العابر اليومي التي تحتفي بها شعريته، شعرية اللحظة الآنية شعرية الكتابة دون قوالب معدة سلفاء من يقرأ كتاباته بدقة وبتفحص حقيقي يجد أنه لا يتبع أسلوبا معينا سواء كان ذلك الأسلوب قصيدة نثر، أم شعرا حرا على غرار نموذج جبرا إبراهيم جبرا، لكنه يجعل الكتابة ميدان إبداعه وليأتي النص كما يأتي، أي أنه لا يخطط نوعية نصوصه، بل يتركها هي من يحدد القالب الذي تستقر به، إنه يترك العنان لشعريته ولقاموسه المتشظي ولشاعريته الكبيرة، كأحد أعضاء جماعة شعرية تركت بصماتها على الأدبين العراقي والعربي.
هذا التوجه خلق لغته الخاصة، وأسلوبه الخاص وطريقته في التعاطي مع جملته الشعرية، ومع مفهوم الكتابة بشكل عام، وهي إحدى سمات هذه الجماعة – أي جماعة كركوك – التي بدأت مشوارها بإن ضربت عرض الحائط بكل التجديد الذي جاء به رواد قصيدة التفعيلة، وهذا ما ترجمه صلاح فائق عمليا، من خلال نصوصه ودواوينه الشعرية المختلفة، كل نص له لغة خاصة، وفكرة غريبة غير مطروقة، يعالجها بشكل عفوي رصين، تاركا موهبته، تحدد وجهة جملته الشعرية، سابغا عليها ثقافته العريضة، واطلاعه الواسع على الأدب الإنكليزي وقراءاته المتنوعة التي تركت آثارها على شعره بشكل جلي، إنه شاعر الغرائبي والمختلف واليومي والعابر، لا تقف مخيلته عند حدود ما ، بل يتركها إلى سعة المطلق، ثم يعكس هذا بصورة شعرية غير مسبوقة، لها بريق أخاذ، وروعة صياغة نادرة تقف في منطقة واحدة هي الكتابة.

(2)
من يقرأ شعر سركون بولص سوف يتملس ذلك التأثر الواضح بالشعر الأنكلو أمريكي، سواء من خلال أصدقائه من الشعراء الأمريكيين، جيل البيتنكس في الشعر الأمريكي، أمثال ألن بيتنيكس، غينسبرغ جاك كيروك، غريغوري كورسو بوب كوفمن لورنس فير لينغيتي، وغاري سنايدر الذين التقاهم بعد قدومه إلى الولايات المتحدة عام 1969 وعقد صداقات معهم.
كان هذا التأثر بالأسلوب الصياغي للجملة الشعرية من جهة، ومن انفتاح موضوعات الشعر التي تناولها فالمعروف عن الشعر الأنكلو أمريكي، هي تمسكه باللغة القاموسية البعيدة عن الحشو والزوائد، أو الاستفاضات، فجاءت لغة سركون متناغمة مع هذه التقنية الكتابية، والأسلوبية الشعرية، من الصعب بمكان أن تجد زوائد أو حشوا في كتابات سركون الشعرية، إنه يكتفي بما تنقله الصورة عن طريق اللغة، كمن يصور بعدسة كاميرا، وأن يترك هاجس الإلهام يأخذ مداه في اللحظة الشعرية، لا يرتب لشيء سلفا.
أستطيع القول إن سركون عاش الشعر وكتبه، فحياته أقرب إلى البويهمية، أعرفه عن كتب زارني في بيتي وزرته في بيته أيضا، يكتب شعره ثم بتركه على الطاولات، أو عند الأصدقاء، كانت تقنياته الكتابية في مجاميعه الأولى متلبسة بالفكرة كثيرا. ثم فجأة يتحول إلى الصورة، بينما نرى أن تقنيته الكتابية وتكنيكه الشعري في المجموعتين الثانية والثالثة قد تحول بالكامل نحو الحسية، ومما يلاحظ في دواوينه الأولى توظيفه للتراث العربي شعرا وقد وقف مثلاً عند أمرئ القيس والنابغة الذبياني وأعجب أيما أعجاب بعمرو بن أبي ربيعة، كان هؤلاء مواضيع لقصائده في بدايات انطلاقته الشعرية، حيث عمد إلى توظيف هذه الشخصيات بشكل درامي في أكثر من قصيدة من قصائد دواوينه الأولى وفي هذا يقول: ((أحيانا أجد نفسي أفكر بشروط زمانية معينة وتعطيني حسا ثابتا لتواريخ معينة، وأحيانا أرتبط مع التاريخ والتراث بشكل اعتباطي وليس شرطيا أبدا)).
وأفضل مثال على هذا، قصيدته أمرئ القيس في طريقه إلى الجحيم، وفي هذا يقول: ((أنا أريد أن أضرب في أعماق الوعي العربي بصوت لم يعهده قارئ هذا الشعر الذي نسميه الشعر العربي، ومع ذلك أعتقد أنني ألبي دعوة مضمرة في قصائد أعظم شعراء التراث العربي وهم في رأيي إمرؤ القيس، عمر بن أبي ربيعة، أبو تمام المتنبي أبو نؤاس، المعري، وأبن الرومي)).
في بدايته الأولى أيضاً ظل ملازماً لجبرا إبراهيم جبرا، الذي ترك بصمة واضحة على ثقافته، وفي هذا يقول: ((كان جبرا أبا روحيا بالنسبة لي، وكنت أتحدث معه لأنه كان واحدا من العقول النيرة التي استطيع أن أتحدث معها عن اكتشافاتي في الأدب العالمي التي كنت أقرأه بنهم وكنت مذهولا بالأدب الغربي)).
وكان جبرا ابراهيم جبرا الكاتب والمترجم والشاعر شخصية فذة، ومما لا شك فيه أن إتقان سركون للترجمة عن الإنكليزية، ترك بصمات واضحة في ثقافته الشعرية وكانت يستفيد بشكل لا إرادي من هذه الترجمات، حيث تتحول إلى أفكار وتقنيات وتكنيك يخزنها عقله الباطن، ثم يطلقها لحظة كتابته لنصوصه وفي هذا يقول ويقود هذا التمرين أحيانا إلى تجاوز نفسك واللغة، لاختراع نوع جديد من التراكيب الشعرية وكل هذا طبعا يؤثر في النهاية علي كشاعر عندما أكتب)).
لم تكن قصيدة النثر بالنسبة له مجرد شكليات، أو مجرد تقنيات، بل طاقة عاطفية، فتقنيات هذا اللون من الشعر ابتعدت عن التقنيات التقليدية الغنائية، بل هي حسب بولص تستغل وتغرف من كل الروافد ومن كل الأنهار ومن طرائق الكتابة المقالية وتغرف من الكتابة الدينية ومن النص الصوفي ومن العلم ومن السينما والباليه والرقص وربما هذا الذي يشكل إيقاع قصيدة النثر، ومما يلاحظ أيضا في تقنيات وتكنيك كتابات بولص تقنية المقابلة تلك التي تقوم على تقابل الأشياء وتصادمها وكأنه منشغل في استنطاق الأشياء كلامياً.
ومن أهم ما يلاحظ على بولص تطويره لتقنياته في الكتابة الشعرية تبعا لتطوره ثقافيا متأثرا بالثقافة الأنكلو أمريكية، التي تركت آثارا واضحة على تقنياته وتكنيكه الشعري، حيث نراه قد ابتعد كثيرا عن اعتماده على الصورة بشكل كبير في مجاميعه الأولى وفي هذا يقول: ((كنت منذ هلا بالصورة في ذلك الوقت. وبصورة مبسطة أكثر كانت الصورة المكثفة بالنسبة لي آنذاك هي جواز المرور إلى عالم اللاوعي وكنت مندهشا وأفكر صوريا)).
لكننا نرى أن هذا قد تغير بتغيير وتطور ثقافته وفي هذا يقول: ((ووجدت نفسي في الكتاب الثاني، أتخلص من الصورة قدر الإمكان، وأبسطها، حيث إن الصورة تخدم شيئا آخر هو الحالة أو المشهد الشعري الداخلي الذي ينظر إليه كمرجع للخارج أي في الحياة المدرة والمتدفقة)).
تبقى تجربة الشاعر سرگون بولص واحدة من أهم تجارب جماعة كركوك بتنوعها وغناها الثقافي وبما تركته من أثر على الأجيال الشعرية العراقية والعربية اللاحقة.