مدينة النعمانية العراقية عروس دجلة

 

 

صادق الطائي

 

النعمانية مدينة عراقية من المدن التي تأسست في القرن التاسع عشر مثل العديد من مدن وسط وجنوب العراق، وهي اليوم مركز قضاء يتبع محافظة واسط إداريا. والنعمانية تقع شمال غرب مدينة الكوت مركز محافظة واسط بـ (38كم) يسكنها أكثر من مئة ألف نسمة موزعين بين مركز القضاء والقرى التابعة له، وحسب الإحصاءات فإن 60 في المئة من سكان المدينة يقيمون في مركزها وبينما يسكن 40 في المئة منهم في القرى المحيطة بالمدينة، إذ تتميز النعمانية بخصوبة أرضها وكثرة بساتينها حيث توجد فيها عشرات البساتين التي ‏تشغل حوالي 2500 دونم من مجموع مساحتها البالغة حاليا 421875 دونما. أرض المدينة ‏رسوبية تكونت مما حمله نهر دجلة وروافده من طمى وترسبات طينية لفترات ‏طويلة ونتيجة الفيضانات التي كانت تحدث في النهر دوريا.

 

أهل الأدب

 

ذكر النعمانية بهذا الاسم ياقوت الحموي في كتابه معجم البلدان فقال: ((النعمانية بالضم كأنها منسوبة إلى رجل اسمه النعمان، بلدة بين واسط وبغداد في نصف ‏الطريق على ضفة دجلة معدودة من أعمال الزاب الأعلى وهي قصبته، وأهلها شيعة غالية ‏كلهم وفيها سوق وأرطال وافية ولذلك أصبح الذهب يخالف سائر أعمال العراق، وقد نسب ‏إليها قوم من أهل الأدب في كتاب ابن طاهر)).

 

 

كما ذكر ابن عبد الحق في معجمه: ((أن النعمانية مدينة تقع بين (همانية) ونهر (سابس) على الضفة الغربية من نهر دجلة، وأنها منسوبة إلى رجل اسمه النعمان)) وقد وصفها القزويني المتوفي سنة 682 هـ في كتابه (آثار البلاد وأخبار العباد) فقال: ((بليدة بين بغداد وواسط، كثيرة الخيرات، وافرة الغلات، ولها قرى ورساتيق، بناها النعمان بن المنذر بن قيس بن ماء السماء، سكنها زمانا رافئ الحال فارغ البال في أيام الأكاسرة إلى ان قضى الله عليه تعالى ما شاء)). كما ذكر ابن رسته في كتابه (الأعلاق النفيسة): ((أن النعمانية مما يلي غربي دجلة وهي مدينة فيها مسجد جامع وأسواق وبها تتخذ الطنافس الحيرية، وهي مدينة من مدائن الحيرة)). ويذكر د. أحمد سوسة في كتابه (ري سامراء) ما ذكره المؤرخ اليعقوبي في تاريخه عن النعمانية فيقول: ((أما تل النعمان، فنميل إلى الاعتقاد انها موضع قرية نعما باذ، التي ذكرها اليعقوبي ووصفها بقوله انها (فرضة ينتقل منها مير دجلة إلى النيل). وكانت النعمانية الحديثة تعرف بالبغيلة ثم سميت النعمانية أخيرا إحياء للاسم القديم لوجود تل النعمان في جوارها، وهو التل الذي يعتقد الناس أنه موضع النعمانية التاريخية)).

 

 

 

أما مدينة النعمانية المعاصرة فقد عرفت عند تأسيسها في القرن التاسع عشر باسم (البغيلة) ولهذه التسمية أكثر من أصل، فهو أمر مختلف عليه، وسبب التسمية غير معروف على وجه الدقة. إذ تنوعت الآراء بين نسبة الاسم إلى دار سك نقود كان موجودا في مكان المدينة في العهد الأموي، حيث كان يضرب فيها الدرهم الفضي المعروف بالدرهم (البغلي)‏ وموقع دار سك النقود الأموي كان على نهر دجلة قرب مدينة النعمانية الحالية. لكن بعض الباحثين يشيرون إلى أن اسم (البغيلة) جاء نسبة إلى نهر البغيلة الذي كان يخترق المدينة، والذي ظل مستعملا في سقي البساتين حتى عام 1963 إذ ردم بعد توسع المدينة. لكن البعض يشير أيضا إلى وجود مرسى نهري في المدينة كانت ترسو فيه سفينة كبيرة تسمى بغيلة ومنها اخذ الاسم وأطلق على ‏المدينة. ‏

 

كما يبدو أن هناك الكثير من التضارب وعدم الدقة في تواريخ تأسيس المدينة المعاصرة، فقد ذكرها مبكرا المستر كلوديوس جيمس ريج، ممثل شركة الهند الشرقية والمقيم البريطاني في بغداد عام 1820 في كتاب وصف رحلته في جنوب العراق عندما قال: ((وفي الساعة التاسعة ‏والنصف مررنا بالبغيلة وهي قلعة من الطين على الضفة اليمنى لدجلة تعود للشيخ زيد الشفلح ‏شيخ زبيد وبقربها مضرب خيامه الخاصة)). ‏

 

قبر أبو الطيب المتنبي

 

أشار عدد من الباحثين ممن تناولوا مدينة النعمانية بالدراسة، إلى أنها أسست مطلع القرن السابع الميلادي في عز ازدهار قوة دولة المناذرة التي حكمت جنوب العراق، وأن مؤسسها هو النعمان بن المنذر الثالث (613 ‏‏– 585) وأنها بقيت حاضرة عامرة في العهدين الأموي والعباسي. إذ تشير بعض الكتابات إلى تعاقب الحضارات ‏على مدينة النعمانية وبموقعها الحالي، وأهم تلك الشواهد وجود أكثر من اثنين وثلاثين تلا أثريا في محيط المدينة ‏تغطي حقبا تاريخية مختلفة. كما أن اللقى الأثرية التي وجدت في المنطقة ساعدت على تحديد ‏الفترات الزمنية التي تعود إليها.

 

 

 

كذلك يعد قبر شاعر العرب الأكبر أبو الطيب المتنبي (قُتل 354 هـ) أحد أبرز الشواهد التاريخية التي تضمها مدينة النعمانية، إذ بني ضريحه على مساحة تقدر بعشرة آلاف متر مربع، وتضم ‏المقاطعة التي يقع فيها الضريح عددا من المواقع الأثرية وأهمها قصر النعمان بن المنذر الذي يقع إلى ‏الشمال من ضريح المتنبي بمسافة خمس كيلومترات على شاطئ دجلة.

 

وقد أشار ياقوت الحموي في معجم البلدان إلى قرية قرب النعمانية بأسم (بنورا) فذكر انها تقع قرب النعمانية بين بغداد وواسط، وفيها كان مقتل المتنبي في بعض الروايات، ويذكر المؤرخ العراقي د. أحمد سوسة في تتبعه لهذا الأمر تاريخيا: ((أن في مقتل المتنبي عدة روايات، الأولى أنه كان في الجانب الغربي بالقرب من النعمانية حسب كتاب الأنساب للسمعاني، والثاني في الجانب الشرقي من دجلة بالقرب من دير العاقول والصافية وهما في هذا الجانب. والأرجح ان مقتله كان في الجانب الشرقي، لأن الطريق العام بين بغداد وواسط كان يسلك هذا الجانب. وفي إحدى الروايات انه قتل عند قرية بيزغ، وهي القرية التي وصفها ياقوت بقوله إنها بين دير العاقول وجبل، فيها قتل أبو الطيب المتنبي، كما جاء في كتاب وفيات الأعيان لابن خلكان أن مقتل المتنبي كان عند قرية الصافية)).

 

ويذكر الباحث العراقي رشيد الخيون في شأن قبر المتنبي إن: ((ضريحه ما زال قائماً، ويتردد عليه الشُّعراء، فقد دفن حيث قُتل وولده محسد، بعد عودته مِن بلاد فارس، واختلف المؤرخون في دوافع قتله، بين لصوص أو طالبو ثأر بسبب قصيدة هجاء، بل منهم مَن اعتبر قتله شأناً سياسياً، وتلك قصة طويلة. يقع الضريح قرب قرية الصَّافية المحاذية لدير قنَّى ودير العاقول، والمكان أصبح ضمن قضاء النُّعمانية (حرز الدَّين، مراقد المعارف). وأراه أثراً ليس بالقليل لأهل الأدب والشِّعر، فبعد أن جاب البلدان، مِن مصر والشَّام إلى بلاد فارس، رقد الكوفي الولادة قريباً مِن مسقط رأسه، فما بين النُّعمانية والكوفة مسافة قريبة)).

 

تردي الخدمات

 

النعمانية اليوم حالها حال العديد من مدن وسط وجنوب العراق تحاول النهوض والتغلب على العديد من المصاعب التي تعانيها مدن العراق بسبب تردي الخدمات وضعف الأداء الحكومي، لكن النعمانيين مصرين على تقديم مدينتهم (عروس دجلة) بأبهى صورها لمن يزورها من ضيوف يتوجهون لزيارة ضريح شاعر العرب المتنبي، لذا قام أهالي المدينة بالعديد من الحملات مثال ما قامت به مجموعة من مواطنيها الذين أسهموا طوعياً بتأهيل جسر النعمانية الذي يعاني من مشاكل كبيرة واعيد إلى الخدمة بصورة جيدة وآمنة. لكن ما تزال الطريق طويلة وما زال هناك الكثير من العمل للنهوض بالمدينة.

قد يعجبك ايضا