اعداد: عدنان رحمن
عن مؤسسة ثائر العصامي للطباعة والنشر والتوزيع ببغداد العراق، الذي طبع في مطبعة جعفر العصامي للطبع والتجليد الفني صدرت الطبعة الاولى عام 2025 لرواية بعنوان ( الحل آل الى كل لا) للاديبة شذى سلمان نورد بعضا منها:
– ” في غرفة صغيرة احتوتني صاحبتها أنا ومَنْ أحمل لا يربطني بالعالم ولا يفصلني عنه غير شباك صغير ذي درفة واحدة ما كنتُ أعلم بوجوده هنا يوماً، وما كنتُ قد رأيتُ مثلهُ سابقاً في ذلك الوقت عندما كنتُ اتسكعُ مُنتشية بالحياة فيغرفتي ذات الشرفة المُطلة على أجمل منظر في الكون كله حديقة بيتنا التي كان والدي غالباً يقوم بريّها وتفحص نباتاته الظلية فيها تحت السقيفة الخضراء في أقصى الزاوية اليمنى منها، ويجمع بعض من كل خضرواته المعدنوس، الجرجير، النعناع، الرشاد، والكُرّاث وكل ما يقوم بزراعته حسب وقته من العام. ويُشذب شجرة الزيتون المُتكئة فيها يساراً على الجدار الفاصل بيننا وبين بيت جارنا أبي آدم، حيث كان يسكن آدم. نحن هكذا.. كُنا هكذا.. بما إننا لم نعد هناك الذي كان يسمى هنا وأصبحنا على غفلة هناك وهناك وهناك مشردين. لا أجدني في مكان قريب أبداً ولا حتى على قلبي الـــ ( هنا) أصبحنا. فإذا هي بلمح البصر مستحيلة. نعم عندما كنا هنا قبل أنيذهبوا بنا إلى هناك كنا لا نستطيع العيش في زاوية واحدة عندما كنا هنا التي أصبحت حتى هي الآن هناك في تلك الحياة كنا لا نقوى على المماطلة. التريث عندنا لا يتعدى ما بين الفكرة وصاحبتها مساحةً والمنطق لا يأخذ منا سوىاستحضار بعض ما مضى والارتجال المواجهة وقرع طبول تلك الآلة الكبيرة في آخر المسرح مهنتنا، لا نقبل غيرها ولا نعرف العزف على سواها. كل الآلات عزفها جميل ولكنهم من دون آلتنا الموسيقية لا يملكون الايقاع في بيئتي أنا إيقاع كوني وما حوله الملتصق بقشرة ثمرتي العتيدة. لقد نضجت ومسامعي تسعى لقرع طبول الأمل والسعي نحو الأفضل. كل الوضع كان غالباً يحاول حشرنا في زاوية يجلس بلدنا يتيماً فيها ونحن لا نحب الزوايا ولكننا نحب البلد، والمضغة بداخلنا تعلقت بحارقها. لا أعلم إن كنا قد متنا ثم بعثنا ولكنني متأكدة من إننا كنا حطب الاتون. منذ الخليقة خُيّرنا بين أن نأتي ونذهب كما لو لم نكن وبين أن نأتى ونذهب ولكن بعد أن نترك أثراً لمن يقصنا بعد الرحيل أثراً نخطهُ بمسك دمائنا على تراب الوطن، فاخترنا أن نكون القرابين، حيث كان كل يوم يمضي يدعس فوقنا بأقدامه ونحنُ لا نبالي حب الحياة فينا لا يموت رغم الحروب ننهض وآثار الدعس فينا تعلو الملامح ولا ننسى قرع الطبول لا لطبول الحرب نحن لا نقرع سوى طبول الحب رغم أنف الألم والمعاناة نتوق الحياة.. كنا نتوق للحياة .الهمةُ فينا تعلو الإلهام، ماكُسرنا، صرعتنا الأيام ربما ولكنها ما استطاعت قتلنا قمنا نهضنا نستذكر وحيّ الله حيناً ونطربُعلى أغنية حيناً آخر. لم تَسُأ أخلاقنا، غذيناها بالحلم والحلم والأمل والثقة بالسماء. تعلمتُ أنّ الالتزام أعلى مراحل الدِين. أن أكون إنساناً قبل كل شيء. اتصرف كإنسان لا كحيوان وأنّ المتدّين لابد أن يكون حذراً من عثرات الطائفية والتطرفوالتعنصر. تعلمتُ أنني لستُ أعلم الناس ولا الناس أقل مني ولا يعلونني في نفس الوقت وعشقتُ قول الحلاج
وَالله ما طَلَعَت شَمس وَلا غَرُبَت
إِلَّا وَحُبُّكَ مَقرونٌ بِأَنفاسي
مالي وَلَلناسِ كَم يَلِحونَني سَفَهاً
ديني لِنَفسي وَدينُ الناس للناس
فهل أخطأنا؟
لا أظن ولكنني متأكدة أنّ هنالك مَنْ أخطأ في حقنا ولن يشفي غليله موتنا لعشرات المرات. كيف لنا أن نعلم عندما كنا نحيا ببساطة كان آخرون يعلفون الوحوش لأجلنا كي يبيدوننا بها؛ كيف لنا ان نعلم؟!. كيف لنا أن نعرف أننا نتعايش أيضاً مع بعض الوحوش والغيلان التي تبرع في استخدام الاقنعة؟. كيف يُقنَعُني السوء أنه متواجد ويتمدد ونحن لا نراه؟ وهل من المعقول أن يتمرد الإنسان على طبيعته حتى يتفنن في الأذية والشر فينحدر إلى أسوأ مخلوق على وجه الأرض. اعتصر الآن كزيتونة يابسة لا تُعطي زيتاً بل فُتاتاً من قشورٍيسخرُ منها كل الزيتون عندما أقول في سرّي.. آدم. أشعرُ أنني أسحبُ من رقبتي بحبل مربوط فيها من مَسَد فوق زُجاج مكسور وجمر. أحسُني اشتعل بلا فتيل من الداخل كمركز الأرض، الأرض الرحيمة التي تشتعل غيضاً وحنقاً على كل هؤلاء اللعناء الذين يعيشون فوقها. لقد عاش أحدهم فوقي وجردني من كُلي الذي كنتُ أرفل سعيدةً ،به لقد حرق كل أحلامي وأيامي السعيدة أطفأ نظراتوالدتي الحانية كعقب سيجارة، داس بكل رعونة على المزروعات ما نبتَ منها بداخلي وما نبت منها في الحديقة. أعطاه الوقت حينها- غير آبهةً لماذا- سلطة بعد ذبح والدي وأخي بسكينه، سلطة جردتني من ثيابي. لم أكن قد اختبرت أن أهان بأقل من هذا فكيف أهان بهذا!!!!. فإذا بي أراني وقد سُقتُ كالحمل إلى مخدعه رأسي مطأطأ إلى الأرض وسبعُ فوّهات موجهة نحوي، يدُ أحدهم تَعُتُني عَتاًنحوه ثم إلى الأمام، أسبقهُ مُضطرة بخطوتين. كان البلاط بارداً. تعودّتُ أن اتحاشى السير على الحدود الفاصلة بين بلاطة وأخرى. اقفزُ كنتُ كالفراشة في بيتنا هناك بعد الجدار مباشرة عند شجرة الزيتون. الآن لا أكاد أحس بقدمي علىقطعتين من القطن أنا ربما اسير أسير ولأول مرة لم أكن أبحث بعيني عن آدم ولم أكن انتظر أن أرى أمه او مَنْ يمتُ له بصلة لأنني كنتُ قد رأيتهم في الصباح كيف أردوا قتلي كل منهم بأطلاقةٍ من الخلف في رأسه . كأنني الآن للمرة الأولى أرىبيتهم، بيت آدم. لم تُسعف ذُلى غير فكرة واحدة أنني شاركتُ الدجاج والغنم والسمك معاناتهم في هذا البلد بالذات قبل الذبح. ما استغاث أبداً آدم ،كوالدي كوالده، كأخي كوالدتي التي ما إن صرخت حتى اخترقتها رصاصة وما ساعدت مقاومتهم في شيء. لو كانت فالمقاومة مقبورة في رحمها بمجرد أنّ والدي من دخول الدار عنوة اقتادوه إلى الخارج وطالبوه بالمبايعة. حدث الأمر عينه مع والد آدم لم يعط الداران البيعة، ولم يجدا معيناً في الحي، ولم تجد مقاومتي أدنى جدوى إن كان لي مقاومة وأنا اقتاد كي أقتل ولكن بطريقةأخرى. أنظر إلى الشباك الأعور الآن ذي الدرفة الواحدة ولا أريد أن يكون لي أية علاقة بمن يسيرون ويبتسمون ويضحكون ويمارسون حياتهم الطبيعية خلفه فهم في نظري ليسوا سوىأحد الفريقين مَنْ بايع ومن ذَبَح .السيدة التي أعيش معها الآن ربما هي ليست من الفريقينولكنها تحمل الجينات لذا لابد من الحذر منها دائماً. أنا لست سوى امرأة من العراق تشبه كثيرات في أراض كثيرة خلت من المُعتصم. أنا الأديان كلها بما أنزل الله ربي وربكم، وسيكون اسمي أديان فلا فرق عندي بين اسم وآخر بعد أن ذُبحت وكان لي في كل يوم وفي كل مكان قصدته اسم يختلف عن الذي قبله حتى أظنني نسيت اسمي ولا اتذكره إلا لو طرأت على مُخيلتي بعض من تلك الذكريات الجميلة البعيدة الماضية وأسمع اسمى بأصوات أحبة فارقوني غدراً وفارقتهم أنا عنوة.
– يا……….، يا…………، يا……..
– هذا عدد كثير من اسمي أبي. ( قُلتُ لوالدي وأنا اجيبه مبتسمة).
– تعالي سريعاً لقد وجدتهُ.
– وجدت مَنْ؟
– القنفذ الذي حدثتكِ عنه، هيا، لقد رأيته قبل قليل يسير متجهاً نحو التعريشة تحت شباك غرفتي.
– حقاً!! سأخرج لأرى هناك، هيا هيا .
كان والدي يخطو مُسرعاً أمامي وأنا أتبعه بلهفة وأقول :
– هل يمكن أن أحبسه في قفص اأستطيع حمله؟ والأشواك والـــ… قاطعني والدي كنا قد وصلنا قريباً من التعريشة قائلاً :
– اشششش ( همس والدي) أين ذهب؟ قال بصوتمنخفض جداً.
– بابا هل تظن أنّ لديه أطفالاً صغاراً؟
– لا أعلم. ابتسم والدي ثم أردف: ربما.
وجدنا القنفذ يختبئ بشكل يدعو إلى الحزن . كان يظن إننا أعداؤه وسنلحق به ضرراً بالغاً، إذ ربما هم يتحدثون فيما بينهم عن ما يُفعل بهم. لن أنسى منظر بعض الشباب عندما رأوا قُنفذاً كيف تحولوا إلى مخلوقات غير ذي رحمة. مسكوا القنفذ صاحب الحظ السيء ووضعوه وسط الطريق. كان قد تكوّر على نفسه خوفاً كعادة القنافذ ثم قاموا بدهسه تحت إطار السيارة بكل بطء هكذا ببساطة.. كان الصوت ( طك) أثناء الدهس.. ببساطة“.
