نوادر الظَرَف في مجالس النجَف في روايات الأستاذ جعفر الخليلي

د. محمد سعيد الطريحي

من توثيق وتقديم الدكتور محمد سعيد الطريحي، الذي يعكف منذ عقود على العناية بتحقيق ونشر (الأعمال الكاملة للخليلي) صدر أخيراً كتاب (نوادر الظَرَف في مجالس النجَف) وقد استخرجه من كتابات الأستاذ جعفر الخليلي، تضمن الكتاب الصادر برقم 108 من كتب أكاديمية الكوفة بهولندا 300 صفحة غنية بحكايات ونوادر المجتمع النجفي وظرائف مجالسه الأدبية في القرن الماضي، كان الكاتب الشهير الخليلي شاهداً عليها ومشاركاً بها، ولأجل الإلمام بموضوع الكتاب نقدم أولاً طرفاً من مقدمة المحقق الطريحي، ونتبعها (ثانياً) بذكر عدد من عناوين موضوعات الكتاب.

جعفر الخليلي رائداً في تدوين الفكاهة النجفية
(( تميَّزَ الأديب العراقي الكبير الأستاذ جعفر الخليلي (1904-1985م) بشخصية ثقافية وصحفية مثيرة وبصلات وعلاقات اجتماعية واسعة وآسرة لمن يتعرَّف عليه صادقاً في صحبته ورفقته ويكون قريباً الى شخصه ونفسيته الطيبة المتّسمة بالسماحة وسعة الأفق وقبول الآخر والاطلاع الواسع وحب الدعابة واقتناص الفرصة لإشاعة الفرح بِحَبْك المقالب الطريفة وإيجاد النكتة بالروح الرياضية الملازمة له في جميع أيامه ومجالساته سواء بالمنتديات العامة او الملتقيات الخاصة، ويندر أن يشابهه أحد بين الأُدباء العراقيين الظرفاء، وهذه الظاهرة واضحة وجلية ومبثوثة في أكثر ما كتبه من المؤلفات، وخاصة ما يتصل منها بسير وتراجم الشخصيات الذين كتب عنهم، كما امتلئت صحفه التي أصدرها، وخاصة جريدة الهاتف بالحكايات والنوادر الفكاهية.

وهو بهذه الصفة لا يختلف عن عموم النجفيين من الذين عايشهم
ــ في عصره ــ حيث اشتُهروا بالتسامح في قبول وتقبُّل النكات المعبِّرة عن الذكاء الفطري، وصفاء البديهة، جرياً وراء جبلَّتهم المطبوعة بالحسِّ الشعري، والطبع المرهف، والسجية الغريبة في سرعتها إلى الجواب الناعم اللاسع، والسخرية الحلوة، كما يعبر عن نفسه في هذا المعنى فيقول: (أنا كثير الدعابة كثير المزاح، كثير التحرش بالأصدقاء في المجالس الخاصة وإن كان هذا التحرش لم يخرج عن حدود الأدب كما يقولون، ثم إنني نجفي، وأزعم أن النجفيين يتقبَّلون النكتة حتى على أنفسهم، والكثير منهم إذا اشتدّت الألفة بينهم وبين أصدقائهم سقطت الكلفة بينهم فليس هناك شيء من مجاملة، أو مقتضيات تستدعي أن يعامل بعضهم بعضاً معاملة الدبلوماسيين للآخرين، وأنا أعزو ذلك إلى سمو الأخلاق عند هذه الطائفة من الناس وإلاّ فهم مثلي في تندرهم، وتفكُّهِهم، وتبذُّلهم في مجالس أصدقائهم الخاصة).
هذه الظاهرة التي عُرف بها الخليلي، كانت مدعاة لاهتمام قرائه من مختلف البلدان والأذواق، وكثيراً ما تُذكر في المجالس حين يكون هناك داعٍ للاستشهاد بها أو الإشارة الظريفة لها.. وكنت ممن استهوتني فجمعت طائفة منها منذ سنين طويلة وحررتها ووضعت لها عناوين تدل على محتواها وربما عدّلت في بعض الألفاظ والسياقات الواردة فيها لتحافظ كل نادرة مما جمعته على أجوائها الخاصة، وقد أضع تعليقاً أو شرحا أو إضافة من باب التوضيح وأخيراً أخرجتها ونسقتها على نحو يسهل الاستمتاع بمطالعتها.
كما اخترت من كتابات الخليلي مقدمة صنعتها مما كتبه بيراعه حول ظاهرة الظرف النجفي، وفَّقت فيها بين ما اخترته
في هذا الموضوع ليكون مؤدياً للغرض الذي ذكرت من دون أن أتدخل فيما كتبه عدا الترتيب بين الأفكار التي طرحها محافظة على الوحدة الموضوعية لما أسميته بالمقدمة، وكلُّ ذلك من قلمه وبنات أفكاره، وسأتبع المقدمة بالجزء الأول من الكتاب الذي قسمته الى قسمين، الأول: بعنوان (حكايات من أدب الفَكِاهة النجفية)، والقسم الثاني بعنوان: (ظرفاء عرفتهم)، أما العنوان الشامل لما جمعت فقد اخترت له هذه التسمية المسجوعة (نوادر الظَرَف في مجالس النجف). واتصور أن ما فيه قد حقق أُمنية ــ صديق الخليلي ــ الشاعر المهجري الكبير الياس فرحات الذي اقترح يوماً ما أن يكون هذا المجموع بين يدي القراء، بقوله: (كلُّ ما كتبه الخليلي موسوعة برأسها، وديوان شعر، وخزانة أدب، ومتحف تاريخ، وكل ما صدر من قلمه الفياض يتفرع من الموضوع الواحد مواضيع، ومن الفصل فصول، وكم كنت أود لو أنك تركت تلك الفصول الهزلية أن تكون في كتاب خاص على حدة، لأنها جاءت كتمثيلية، هزلية في مأتم).

وباعتقادي أن هذا المجموع وإن لم يضم كل ما دوَّنه
الخليلي من النوادر لكنه يؤشِّر على الجانب الظريف من
حياته حيث استطاع بِرُوحيَّته الفَكِهَة المعهودة أن يستقطب آلاف الأصدقاء الأوفياء خلال حياته ويكشف عن جانب رافق نفسيته الظريفة الى يومه الأخير وهو راقد في مستشفاه بعمَّان حين كان يتمتم بأبيات مرِحة يعالج فيها يومه الأخير وهو راضٍ بقضاء الله وقدره، مسلِّماً أمره اليه.
رحم الله الأستاذ الخليلي فقد كان الظرف طبيعة متأصلة فيه، ومع ذلك فلم تكن شهرته في مختلف الفضائل بأقل من شهرة ظرفه بين خُلَّص أصحابه)) – انتهى ما اقتطفناه من مقدمة الطريحي)).

من عناوين فصول الكتاب:
مساجلة شعرية طريفة ومفاضلة فكاهية بين أنواع الأطعمة النجفية واللبنانية، طلاسم أبي ماضي بين الشرقي والجزائري، في زواج من بلغوا الثمانين، خويطات شعرور، من طرائف السيد رضا الهندي، من طرائف الكتابات على الأختام في النجف، مخطوط قربون علي (دائرة معارف قربون علي)، من ظرف الشاعر محمود الحبوبي، مداعبة الشبيبي للشيخ عبد الحسين الجواهري، اختطاف خروف وذبحه ورثائه، جماعة الصفوة الأدبية في بيت مير علي أبو طبيخ، نكات عن حمير النجف، من طرائف مصطفى جواد، زهد الشيخ علي رفيش وأبيات مداعبة لساكني محلة الحويش، مقلب لفتاتين نجفيَّتين مع المرجع الشيخ محمد طه نجف، نكتة و(مقلب) لأحد شخصيات الكاظمية مع عبد الرحمن الكيلاني نقيب بغداد، وليمة الميرزا صالح الخليلي على البط (الخضيري) بالكوفة، الشيخ محمد الخليلي وعزيمة الباجه، الشعر الشعبي في مدح رضا شاه ايران!!، إنشاد الشعر في مجالس الأعراس بين الخطباء والشعراء، أكلة الماش النجفية، حذاء دجلة، كيف تمّّ انقاذ أفخم دار في النجف من أيدي الإنكليز؟، وصف الصحن الحيدري منذ قرن من الزمان، النكتة الشعرية والحلاوة في شعر الصافي، قصيدة ميخائيل نعيمة بالغناء النجفي، من الظرف النجفي برواية القاص ذو النون أيوب، حسين قسّام نسيج وحده في تمثيل الأدوار الفكهية والظرف ونسج الأحابيل والنكات ونظم الشعر الهزلي المضحك، السيد حسين زازان، قادر جاووش (عبد علي المعيبر) من ظرفاء مدينة الخضر، السيد علوان الرفيعي، عباس الجبَّان، حسين قسام.. رائد الفكاهة النجفية.. تذكّر أعماله بابن الحجاج وابن سكرة الهاشمي، حسين قسام معمماً، معارضة قسام لقصيدة الطلاسم للشاعر إيليا أو ماضي، حفل زفاف آل نظام الدولة الاسطوري (اطبيخنه خوش اطبيخ يا حيف مرقتنه الجزر)، ، أنت ترف وزغيرون كالقمر، قصة حبيب الحار … الخ.

قد يعجبك ايضا