د. توفيق رفيق التونچي
“”لقد جعلتني لا نهائيا، تلك هي لذتك”
روبندرونات طاغور
كي لا نجمل صورة الماضي لأنها كانت أقبح مما يتصوره عقل البشر في عالمنا المعاصر ولا يمكن أبدا مقارنته بالحاضر. هذا بصورة عامة في عالمنا اليوم وبصورة خاصة لشعب كوردستان. لكن تجميل ذلك التاريخ ينطلق من عدم قبول ورفض قبح ذلك الإنسان وجميع أفعاله وكذلك وحشيته وإفراطه في استخدام العنف وقبول الأعمال الإجرامية. النهاية المأساوية للكيانات في الشرق مرتبط بسلوك السلطة الحاكمة من ناحية من ناحية ومن ناحية أخرى سطوة الفكر القومي السلبي من تمجيد الأسلاف و حوادث الماضي وعكسه على مجمل النشاطات ألحياتيه اليومية والفكرية وسلوك الأفراد وحالتهم النفسية.
هذا ليس بجديد في مجتمعات مستهلكة لمجمل الإنتاج التقني العالمي من الآلات وأجهزة ومعدات مدنية وعسكرية وكل مصانعها صنعت معداتها في الخارج وحتى خبرائهم يأتون من الخارج لتسليحها إذا عطلت تلك الالات والمعدات وكل أدواتها الاحتياطية من هناك. منذ فجر الحضارات تعاملت السلطات في المنطقة بقسوة مع شعوبها وكان استخدام العنف كحالة طبيعية في الحروب والنزاعات.

جميع الأمم كانت تحارب بعضها البعض وكان الموت والدمار يحصد بأرواح البشر وتهدم المدن من بكرة أبيها وتحرق المزارع والحقول وتدمر بناءها التحتي لتنهار الحضارات والمدنيات بيد الغزاة الطامعين والمحتلين. التاريخ يحدثنا عن مجازر اقترفته الأيادي البشرية ضد أخيه الإنسان. العنف لم يكن دائما مبررا واذا صدقتنا بما جاء من اخبار من الماضي فان شعوب كثيرة تم إفنائهم بالكامل من بكرة ابيهم ورغم كل هذا التاريخ الدموي للبشرية تمكن الإنسان ان يبقى على ألحياة. الغريب في الأمر ان الأجيال اللذين يرثون هذا التاريخ يحاولون جاهدا التنصل منه حتى لو كانت هناك إثباتات لتلك الوقائع التاريخية وما حصل في وثائق وافلام و صور والمثال المعاصر نراه في انكار قصف حلبجة ومدن اخرى في كوردستان بالغاز والمقابر الجماعية في العراق وكذلك المجازر التي افترقت في تركيا مع الأرمن والسريان والكورد ابان الحرب العالمية الاولى وبعدها. رفض الماضي القبيح والغير مشرف حالة جيدة لشعور وتعني عدم قبول الحادثة واستنكار حدوث الفعل الشنيع والشعور بالندم على الفعل الشنيع من ناحية ومن ناحية اخرى محاولة تبرئة الأجداد لفداحة الجريمة كما حصل مع محارق النازية لليهود خلال الحرب العالمية الثانية والإبادة الجماعية التي قام بها النازيون لشعوب اوربا. لكن الأمور تقاس بما كان سائدا من ظروف في ذلك العصر والزمان وما كان مقبولا انذاك ربماً تعتبر جريمة ضد الإنسانية ، اليوم. نحن في العراق ومع قيام الجمهورية على اثر مذبحة قصر الرحاب قام العديدون من رجال الثورة بالتنصل عن حادثة إعدام العائلة المالكة وإلقاء اللوم على قرار فردي للضابط عبد الستار العبوسي الذي كما يذكر جن لاحقا اثر تأنيب الضمير وانتحر والله اعلم. ولكنهم اي رجال الثورة ومن لحقهم اعدموا خيرة رجال العراق ( الصورة تامل ابنائها) بتهم واهية ودون اي دليل في محكمة المهداوي وثم في عهد عبد السلام والألاف من العراقين في محكمة الثورة سيئة الصيت ومجزرة قاعة الخلد في عهد البعث واستمر الأمر في اعدام الوطنيين من العراقيين إلى يوم احتلال العراق وسقوط النظام الجمهوري مع إعلان العراق الفيدرالي. الغريب حتى بعد مرور عقدين ونيف على ذلك اليوم لا يزال هناك مجرمون يتأملون العودة لتكرار تلك الجرائم وهم منتشرون بين جميع القوى السياسية من منافقين يحتفظون ببدلاتهم الزيتوني ومسدساتهم في دواليبهم.
من هنا مر حزب ادعى الإنسانية
هذا ليس بغريب في سلوكيات الشعب العراقي بصورة خاصة فهذا الدكتور على الوردي عالم الاجتماع العراقي يصف سلوكهم بالوهاب والنهاب وصراع البداوة والحضارة في شخصيتهم قائلا؛ “إن الذي لا يفارق بيئته التي نشأ فيها ولا يقرأ غير الكتب التي تدعم معتقداته الموروثة و يركز فقط على ثقافة بلده، فلا ننتظر منه أن يكون محايداََ في الحكم على الأمور بل توقع منه العنصرية الشديدة والتعصب لبلده و فكره”. كتاب خوارق الشعور للدكتور الوردي يكشف لنا تناقضاتنا ونفاقنا واذا اخذنا نقده بجدية وعملنا به فهذا يفتح لنا الطريق لنقترب من الرواقية الحقيقية أن نعيش بصدق لا بشعارات

.و يصف الوردي العقلية العربية بأنها تعيش حالة انفصام بين المثل العليا والسلوك العملي (يُدين الفساد نظريًا، ويمارسه فعليًا) يسميه تناشزا حسب نظرية المعروفة اي نظرية التناشز الاجتماعي (Social Anomie) للأمريكي عالم الاجتماع (ويليام فيلدينغ أوجبورن) .
هذه التسمية الأخير كذلك أثبته تجربة سياسي العراق ما بعد الاحتلال وحتى تحت سيادةً النظام الديمقراطية والاتحادي .
لكن نرى ولحد الان ان العراقي مستمر على ما تعود عليه ولم يترك سلوكه قيد انملة. كتب المفكر العراقي الراحل هادي العلوي في آخر مقالة له في صحيفة الحياة يقول: ”
الفكر القومي في عموم المشرق مأخوذ من الفكر الايطالي والألماني والفرنسي ( أضيف كذلك البريطاني). ومن هنا ولاء القومي للغرب وعداؤه للقوميات الشرقية وقد أعترف بعض القوميين العرب بإسرائيل كدولة مستقلة ودخلوا معها مفاوضات سلام جاعلين من السلام خيارهم الإستراتيجي , وهذا يعني أعتبار حيفا ويافا والقدس الغربيى والناصرة وعكا مدنا اسرائيلية بينما يصر هؤلاء القوميون على اعتبار كركوك ، السليمانية ، أربيل ودهوك مدنا عربية ويضيعون كوردستان من خريطة الوطن العربي.” نحن في دول الشرق نقتل أبناءنا من المفكرين والعلماء ونبني السجون قبل ان نبني المدارس او نشق الطرق ونرفع الفقر من كاهل المواطن . نحن نبني الترسانات العسكرية ولدينا جيوش جرارة عاطلين عن العمل وعالة على مجتمعاتنا ونصف الثروة الوطنية تقصمها ميزانيةً وزارة الدفاع والداخلية ومنتسبين ولشراء الأسلحة وتخزينها رغم فساد تلك الأسلحة . ننادي بأننا أحرارا وحررنا أوطاننا وانهينا سطوة الاستعمار وما جابه من التخلف في مجتمعاتنا لكننا لا زلنا نستفيد من ارث الاستعمار لا بل ندافع بارواحنا عن دول أسسها الاستعمار باتفاقيات عقدوه بينهم ورسم حدودها وبنى حتى هياكلها السياسية والبنية التحتية. أحزابنا السياسية تجاهد في قتل المعارضين لتلك الاتفاقيات ويتهمهم بالخيانة وكل مؤسسات الدولة تخدم احزابهم لان الوطنية منحصرة فقط بهم والبعض من أعضائهم. انظر فقط في قائمة العلماء ، المفكرين، رجال الدين، السياسيين والتجار اللذين قتلوا واغتيلوا من قبل ازلام النظام منذ إعلان الجمهورية العراقية سترى المهدر الكبير الذي حصل للثروة البشرية الوطنية.
اليوم رغم اننا نعيش حياة فكرية شبه حرة وربما اختفى جزئيا مصطلح سجين الفكر السياسي مع استثناء بعض الدول ، لكننا لا زلنا ندور في حلقة مفرغة من الناحية المعرفية اي لا ننتج ” المعرفة” في الشرق بل وقفنا في مكاننا نستهلك ما كتبه الأولون في كتب التراث ونحاول ان نفهم أقولهم ونفسر النصوص. المعلومة المعرفية أصبحت سلعة باهظة الثمن في عالم ما بعد المعلوماتية وهي من أسرار الوطنية للدول المتقدمة. انتبهت إلى امر مهم حين تمكنت شركات صينية من الحصول على مصانع شركة فولفو للسيارات السويدية وإنتاجها في الصين، لاحظت ان السويد لم يبيع القسم الخاص بالتطوير والبحوث اي ( الجزء المعرفي) بل احتفظ بهذا القسم معتبرا إياها من أسرار الدولة. تبقى الثروة البشرية الأهم في عملية التنمية وتطور المجتمعات اليوم وفي المستقبل.
السويد ٢٠٢٥
ملاحظة ؛ اكتب دوما في كل كتاباتي كلمة الكورد وكوردستان بالواو بدلا من الضمة رغم ان الأسماء يتم تحريك اولها قواعديا ولكنها لا تكون ساكنة أبدا والاستثناء تلفظ ساكنة في جميع اللهجات وقد عاب علي ذلك احد المعلمين واعتبرها خطا. إشارات د علي الوردي ، خوارق الشعور، لتحميل الكتاب؛ https://foulabook.com/ar/book/%D8%AE%D9%88%D8%A7%D8%B1%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%A7%D8%B4%D8%B9%D9%88%D8%B1-pdf حول المفكر هادي العلوي راجع؛ المادة التي كتبها الدكتور حسين هنداوي؛ https://hussainhindawi.com/
السويد
2025