قصة قصيرة: ظلُّ الشجرة الحكيم

نوري جاسم

في قرية صغيرة تقع بين جبلين، كانت هناك شجرة عظيمة تُسمّى عند أهل القرية بـ “الشجرة الحكيمة”. كانت جذورها عميقة، وأغصانها تمتد في السماء كأنها تدعو الناس إلى النظر أعلى من همومهم.
يأتيها الناس من كل مكان ليستريحوا تحت ظلّها، فهي تُعطي ببركة الله ظلًا وطمأنينة لا تُشبه شيئًا آخر.

ذات يوم جاءها شابٌ غاضب، يكاد الشرر يتطاير من عينيه. جلس تحت الظل وهو يضرب الأرض بعصبية.
فقالت له امرأة عجوز كانت تأتي للشجرة كل صباح: ما لك يا بني؟ تبدو كأنك تحمل الجبل كله فوق صدرك.
قال غاضبًا: ظلموني! أخذوا حقي، ولم يقف معي أحد.

ابتسمت العجوز وقالت له:
– اسمع حكاية الشجرة الحكيمة..
سكت الشاب، فنظرت العجوز إلى الأعالي وقالت:

“حين كانت الشجرة صغيرة، كانت الرياح تكسر أغصانها، والحيوانات تدوس براعمها، والأطفال يعبثون بأوراقها.
ومع ذلك لم تغضب يومًا، ولم تردّ الأذى بالأذى.
كانت كل ليلة ترفع أغصانها للسماء كأنها تقول:
يا رب، زدني قوةً حتى لا أكسر، وزدني رحمةً حتى لا أؤذي.
فازدادت جذورها عمقًا، وأوراقها اخضرارًا، حتى صارت ملاذ لكل من يتعب.”

سكتت العجوز لحظات، ثم قالت للشاب:
– يا بني، ليس كل من يُؤذى ضعيفًا، وأقوى الناس هم الذين يحوّلون الألم إلى ظلّ يستريح تحته غيرهم.
خذ حقك بالحكمة لا بالغضب، وبالصبر لا بالصراخ.
فالريح لا تنال من الشجرة الراسخة، مهما اشتدّت.”

رفع الشاب رأسه إلى أغصان الشجرة، وكأنه يسمعها تهمس له بالحكمة نفسها.

ابتسم أخيرًا، وقال:
– الآن فهمت… أريد أن أكون مثلها: قويًا بالحق، رحيمًا بالقلب، ثابتًا أمام الريح.

وغادر وهو يشعر أن صدره صار أخفّ، وكأن ظل الشجرة أنبت داخله شجرة أخرى… شجرة اسمها الحكمة. 🌿

قد يعجبك ايضا