خوشناف سليمان:
من قلب بوطان. وفي مدينة عاشقة للروح قبل السياسة. قال الرئيس مسعود بارزاني ما لم يُقل منذ سنوات: السلام ما زال ممكنًا.
حين يعبر مسعود بارزاني الجسر الروحي إلى شرناخ..
ثقافة تُمهّد للسياسة و سلام ينتظر اسمه
في صباح بدا مألوفًا في ظاهره. لكنه يحمل كل ما هو استثنائي في جوهره. حلّ الرئيس مسعود بارزاني في مدينة شرناخ. تلك البوابة الحساسة في شمالي كردستان. للمشاركة في المؤتمر الدولي الرابع للمتصوف والشاعر الكبير ملا جزيري. ومع أن المناسبة ثقافية في ظاهرها. إلا أن ما جرى في شرناخ كان أكبر بكثير من احتفال أكاديمي أو ملتقى أدبي. لقد بدا و كأنه حضورٌ سياسيٌّ مغطّى بالعباءة الروحية لملا جزيري. و رسائل هادئة تبحث عن طريق جديد نحو السلام.
منذ اللحظة الأولى لخطابه. كان واضحًا أن بارزاني يدرك موقعه تمامًا.. في جغرافيا مشتعلة. لكنه يتحدث بلغة الماء. و في ساحة أثقلتها سنوات التوتر التركي . الكردي. لكنه يقدّم نفسه كمن يحمل مفاتيح لا تفتح الأبواب بالقوة. بل بالمحبة و الرمز.
قال الرئيس بارزاني إن هذا اليوم / مميز في حياته/ و لم يكن الأمر مجاملة. فشرناخ ليست مدينة عابرة. و جزيرة بوطان ليست مجرد موقع جغرافي. بل هي مركز روحي و تاريخي لا تغيب عنه أسماء كالجزيري و الحريري و فقي طيران.
حين أشار بارزاني إلى أن شعر ملا جزيري كان يُتلى دائمًا في مجالس بارزان فإنه لم يكن يوثق لحقيقة تاريخية فقط. بل كان يؤكد استمرارية سلالة روحية واحدة تمتد من بهدينان إلى بوطان و من بارزان إلى جودي.
بهذه الجملة. وضع بارزاني نفسه داخل المكان. لا فوقه. كأنه يقول للجمهور:
نحن أبناء هذا النبع. نملكه بالروح قبل السياسة.
شرناخ.. المكان الذي لا يدخل إليه أحد مصادفة
أن يقف بارزاني في شرناخ و هو محاط بالمسؤولين الأتراك. من الوالي إلى ممثلي الدولة. هو بحد ذاته حدث. فالمدينة. التي عاشت عقودًا من الصراع. لم تكن لتفتح أبوابها بهذه الحفاوة دون قرار سياسي واضح من أنقرة.
وفي المقابل. كانت الجماهير الكردية تستقبل بارزاني كإشارة على ثقة متجذرة: لا بصفته رئيس إقليم فحسب. بل كقائد كردي تتجاوز شرعيته الحدود المرسومة على الخرائط.
كان هذا المشهد بحد ذاته رسالة مزدوجة:
تركيا ترسل أول إشارات الانفتاح.
و الكرد يقابلونها بقبول نادر في هذه المرحلة.
ملا جزيري.. عباءة رمزية لعبور الرسائل السياسية
تحدث بارزاني طويلاً عن ملا جزيري. عن الفناء و وحدة الوجود و العدل و الحكمة. هذه اللغة ليست مصادفة. فالجزيري هو الرمز الذي لا يختلف عليه الكرد. و ذكره يفتح أفقًا روحيًا يخفّف من صلابة المواقف.
بكلمات بسيطة. كان بارزاني يستخدم الأدب و التصوف كجسر ناعم للانتقال نحو رسائل أكثر حساسية.
فحين يقول: / أنا مصباح ليل كردستان / فهو لا يصف الجزيري فقط. بل يلمح إلى أن نور الروح قادر على إضاءة طريق غاب منذ سنوات طويلة.
الامتنان المحسوب: أردوغان و أوجلان في جملة واحدة
هنا بلغ الخطاب ذروة حساسيته.
بارزاني قدّم شكرًا واضحًا للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ولمؤسسات الدولة التركية، وللبرلمان والشعب.
ثم، مباشرة بعد ذلك، شكر السيد عبدالله أوجلان على الخطوات الإيجابية الداعمة لمسار السلام.
هذا الربط لم يكن يمكن أن يحدث علنًا لولا ذكاء سياسي مقصود.
بارزاني يرسل رسالة إلى الطرفين..
يمكننا أن نعود إلى الطاولة.
يمكننا أن نلتقي مرة أخرى.
و تركيا و الكرد بحاجة إلى جسر.. و هذا الجسر لا يضر أحدًا.
بهذه الصياغة. وضع بارزاني نفسه وسيطًا مؤهلاً. مقبولًا لدى أنقرة و لدى الحركة الكردية.
إقليم كردستان كلاعب رئيسي لا كمراقب
حين قال الرئيس بارزاني بوضوح:
/ إقليم كردستان مستعد لتقديم كل ما يمكن لإنجاح عملية السلام. /
فهو لم يكن يعلن موقفًا مفاجئًا. بل يعيد تأكيد استعداد الإقليم للعب دور فاعل.
هذه الجملة. في سياق شرناخ. و في ظل احتشاد رسمي تركي و كردي. تبدو أقرب إلى..
– عرض وساطة
– مبادرة سياسية هادئة
– إشارة إلى إمكانية إحياء مسار السلام. التركي .. الكردي
و هو ما يجعل الزيارة أكثر من مجرد حدث ثقافي.
استعادة الجغرافيا عبر التاريخ
حديث الرئيس عن جبل الجودي وسفينة نوح. و عن كون المنطقة شرفًا مشتركًا للكرد. لم يكن جزءًا أدبيًا من الكلام. بل إعادة لترسيم جغرافيا كردستان عبر الذاكرة. لا عبر الخرائط.
بهذه الطريقة. أراد بارزاني تذكير الحاضرين بأن هذه المنطقة ليست هامشًا. بل قلبًا رمزيًا للوجود الكردي. و أن وحدة الروح أسبق من وحدة السياسة.
ما قاله الرئيس مسعود بارزاني في شرناخ لم يكن خطابًا عابرًا.
كان إعادة فتح لبوابة مغلقة. و رسالة إلى تركيا. ورسالة إلى الكرد. و رسالة إلى المنطقة كلها..
إن السلام لا يموت. بل يحتاج من يجرؤ على تسميته من جديد.
و هكذا خرجت الزيارة بنكهة مزدوجة..
ثقافة عميقة. و سياسة هادئة. و نافذة صغيرة في جدارٍ طويل من الصمت.
في شرناخ. بدا و اضحًا أن بارزاني لا يعود إلى الماضي فقط. بل يكتب سطرًا جديدًا في ضروريات المستقبل.