جعفر الخليلي مؤرخاً .. أكاديمية الكوفة تنشر أبحاثه عن ثورة العشرين وقبيلة آل فتلة

جعفر الخليلي مؤرخاً

الكاتب والروائي والصحافي العراقي الكبير جعفر الخليلي (1904-1985) شخصية استثنائية ومبدعة، قضى طوال عمره في خدمة العلم والأدب العربي، وهو وإن عُرف بكونه من رواد القصة والصحافة العراقية، لكنه ترك بصمات أخرى في مجالات ثقافية متنوعة الاختصاص ومنها اهتمامه بالتاريخ العربي والإسلامي فهو صاحب فكرة (موسوعة العتبات المقدسة) التي كان يعتبرها أحب الأعمال الى نفسه والتي نهدَ الى تأليفها مع نخبة من كبار الباحثين العراقيين بينهم نخبة من أساتذة جامعة بغداد وبعض الفضلاء حسب اختصاص كل منهم، أمثال: الدكتور مصطفى جواد، والدكتور حسين أمين والدكتور أحمد سوسة، والدكتور صفاء خلوصي، والدكتور حسين علي محفوظ، والاستاذ جعفر خياط، والأستاذ فؤاد عباس، وقد صدرت الموسوعة منذ ستين عاماً في ثلاثة عشر جزءاً وهي موسوعة تاريخية جغرافية أدبية عن البقاع المقدسة، وكان في تقديره أن تقع بعد إتمامها في أكثر من عشرين جزءاً. ومع أن الخليلي كان يملك الهمة والعزيمة والصبر على البحث، ولكن هذه الأرصدة الثلاثة تصبح صفراً إن افتقدت رصيد المال. ولهذا لم تطبع بقية أجزاء الموسوعة. وتلافياً لذلك ووفاءاً لعمل الخليلي الكبير واخلاصه للعلم واتماماً لما بدأه (رحمه الله) يجري اليوم بأكاديمية الكوفة تحقيق المطبوع منها وإضافة ما استجد من البحوث المرتبطة بها واخراجها ونشرها بشكل عصري وأكثر شمولية.

واهتمام الأستاذ جعفر الخليلي بالتاريخ وان اختتمه بموسوعته المذكورة، فمن المهم الإشارة الى أنه بدأ بهذا الاهتمام والاستقصاء التاريخي منذ شبابه من خلال توثيقه السجلات التاريخية للشخصيات العلمية والأدبية المعاصرة له، وتتبُّعه للتاريخ الوطني للعراق الحديث، ومما ألَّفه في حياته الفكرية المبكرة: كتابان صدرا في الثلاثينيات من القرن العشرين المنصرم وهما: كتاب (على هامش الثورة العراقية الكبرى 1920م)، وكتاب (آل فتلة كما عرفتهم)، واليوم وبعد نحو تسعين عاماً من صدورهما، أحياهما من جديد المحقق العراقي محمد سعيد الطريحي مع ما أحياه من مؤلفات الخليلي والتي صدرت عن أكاديمية الكوفة بهولندا بثلاثين مجلداً ضخماً.

على هامش الثورة العراقية 1920
وفي كتابه (على هامش الثورة العراقية) الصادر حديثاً ضمن كتب أكاديمية الكوفة بهولندا (برقم 105) وهو في الأصل نقد كتبه الخليلي لكتاب (الحقائق الناصعة) الذي ألفه الشيخ فريق المزهر الفرعون، وقد ضمّنه تعليقاته ومؤاخذاته عليه مدوِّناً الكثير من الحوادث المتصلة بتاريخ ثورة العشرين التحررية العراقية، وتأتي ملاحظاته بإبداء وجهات نظر مختلفة عن المؤرخ الشيخ فريق المزهر، وتكتسب أهميتها من كون الخليلي من معاصري ثورة العشرين، وبحكم معايشته لبعض وقائعها مثلما كان ملمَّاً بما شاهده من أحداث ثورة النجف ضد الإنكليز عام 1918 والتي مهَّدت لثورة العشرين، والتي كان لأخيه الأديب والدبلوماسي الأستاذ عباس الخليلي دور كبير في التخطيط لها والمساهمة في أحداثها باعتباره أحد الثوار المؤثّرين في انتفاضة النجف ضد الاحتلال الإنكليزي وممن حُكم عليهم الإنكليز بالإعدام وكان الوحيد من بينهم الذي استطاع الهرب خارج العراق، وقد عبَّر جعفر الخليلي عن كتابه المذكور بأنه ( خواطر وتعليقات مستمدة من الواقع المرئي والمسموع عن الثورة)، ونشره في حينه باسم (فراتي) ولم يضع اسمه الصريح عليه وأهداه في حينه الى الزعيم الوطني السيد علوان الياسري (1875 ــ 1951م)، الذي يرجع له الفضل الاكبر في إخراج فكرة الثورة العراقية ضد الاستعمار الى حيز الوجود. وقد أمعن المحقق الطريحي النظر فيه بتصحيحه والتعليق عليه كما راجع مصادره بدقة مدوِّناً الهوامش الضرورية عليه، فتضاعف حجم الكتاب الى 452 صفحة بحيث لا يستغني عنه أيّ باحث عن الثورة.

ومن مواضيع الكتاب نختار هذه العناوين: أضـواء على سـيرة مؤلف كتاب (الحقائق الناصعة) الشيخ فريق المزهر الفرعون، كتاب الشيخ فريق المزهر الفرعون ما له وما عليه، انتقاد الشيخ علي الشرقي، رأينا في نقد الخليلي، أول طلائع الثورة في الفرات وفي المنتفك؟ وموقع النجف من الثورة، السيد علوان أول مؤمن بالنهضة، قبيلتا العوابد والحميدات، اجتماع اليوسفية ــ جعفر الصميدع ــ معركة الرارنجية، قصة المدفع الذي غنمه الثوار، مناقشة الحوادث التاريخية، ثورة النجف الأولى، التقليد عند الشيعة، كتاب السر ولسن والجواب عليه، اختلاف الرأي في صيغة الجواب، التحقيق في كتاب الشيرازي، محسن أبو طبيخ وتعيينه لمتصرفية كربلاء، فريق المزهر يسأل وزعماء الثورة يجيبون( أجوبة وآراء قدمها الزعماء والشيوخ): الشيخ عبد الكريم الجزائري، السيد هبة الدين الشهرستاني، السيد محسن أبو طبيخ، سيد قاطع العوادي، الحاج صلال الفاضل، السيد سعيد كمال الدين، الشيخ محمد رضا الشبيبي، الحاج رايح العطية، عبد الحميد عبد المجيد، الشيخ حسين علوان الشلال، الشيخ شويش العبد الحميد السلام، الحاج عبد الواحد الحاج سكر. إجابات الشيخ فريق المزهر آل فرعون على أسئلة الباحث المصري الدكتور مصطفى محمد حسنين (عام 1958م)، رسالة في الشعر الشعبي كتبَها: فَريق المزْهر آل فرعُون، الشيخ خيُّون العبيد (1889 ـ 1970م).

قبيلة آل فتلة كما عرفتهم
وبذل الطريحي نفس الجهد لإخراج كتاب الاستاذ الخليلي الآخر (آل فتلة كما عرفتهم)، الصادر حديثاً هو الآخر ضمن كتب أكاديمية الكوفة بهولندا (برقم 104) وهو كتاب ضمّ 336 صفحة أرّخ فيه لقبيلة آل فتلة العربية الشهيرة في الفرات الأوسط، حيث كانت تربطه صلات طيبة بالزعيم القبلي البارز الشيخ عبادي الحسين (آل هدلة) (1855 ـ 1935)، منذ عام 1923، فكان يزوره في في مضيفه بالمهناوية كما كان يلتقيه صيفاً في بعض مصايف لبنان والشام. مثلما كان يحرص على اللقاء به أيضاً متى ما قدم الشيخ عبادي الى النجف التي كانت مزاراً دائماً له لكثرة المناسبات التي تستدعي زيارته للمدينة كما كان صديقاً لأولاده الأستاذ عبد الكاظم العبادي، والأستاذ أركان العبادي، وللشيخ صكبان آل عبادي (الزعيم القبلي والمناضل الوطني). وقد توثقت الروابط بينهما وكان ينشر بعض أخبارهم في جرائده (الراعي) و(الفجر الصادق).
وكان من ثمار الصلة الوثيقة بالزعيم الشيخ عبادي أن توَّجَها الخليلي بجمع المعلومات والمرويات التي تخصُّ (آل فتلة) وبالذات بيت الزعامة في (المهناوية) ومَن يدين بالولاء له، ووضع ما تيسَّر له جمعه وتأليفه بين دفَّتي كتاب وضع له عنوان (آل فتلة كما عرفتهم) ونشره عام 1936م باسمٍ مستعار هو (أ.س.ح)، وبعناية أكاديمية الكوفة تم إخراج الكتاب بحُلَّة جديدة مع التحقيق والتعليق عليه وإضافة عدد من البحوث المتممة لموضوع الكتاب. ومنها البحث الذي كتبه المحقق عن الزعيم الوطني الكبير عبد الواحد آل سكر بعنوان (أسد الفرات) وعن ولده الشهيد الشيخ راهي. ومهَّد لذلك بفصل كبير عنوانه (آل فتلة في التواريخ والمدوَّنات).

وآل فتلة قبيلة مهمة وكبيرة، قحطانية الأصل، وفي أيام ثورة العشرين (أي منذ قرن من الزمان) كانت توجد في ثلاث مناطق من الفرات، قسم في قضاء الهندية برئاسة آل جلوب وآل موسى وقسم في قضاء الشامية برئاسة آلبوهدله وقسم في قضاء أبو صخير برئاسة آل فرعون. وكل أفراد هذه العشيرة الذين يقدر عددهم (آنذاك) بأكثر من عشرة آلاف رجل مزارعون متواطنون.

يتصل آل فتلة مع عشيرة بني زيد القحطانية القاطنة في الجهة الشرقية من الشطرة بنسب واحد. وكانوا قديماً يسكنون معهم في أرض اسمها الدجة، ثم تحولوا من هناك إلى أرض تقع في بزايز نهر أبو جويري أحد فروع شط الغراف الغربية، وبعد أن أمضوا في منزلهم هذا مدة تحولوا عنه إلى الفوَّار المتشعب من نهر اليوسفية، وكان قد سبقهم إليه فرقة من المراشدة فحاربوهم وانتصروا عليهم وأجلوهم عنه وحلُّوا محلهم فيه، وكانت أرض الفوَّار يومئذ داخلة في ضمن منطقة نفوذ الخزاعل، وكانت أهواراً، فالتزموها منهم وعمَّروها، وفيها تكاثروا وعظم شأنهم وصار يقصدهم الفضلاء والشعراء من أهل النجف والحلة فيغدقون عليهم بالعطايا والهبات، ولأهمية الكتاب فأنّ الكثير من الباحثين المعاصرين للخليلي قد استفادوا منه ولا سيما المؤرخ الأستاذ عباس العزاوي الذي نقل بعض معلوماته عنه، منوّهَاً الى أن قبيلة آل فتلة (من عشائر الدليم الكبيرة المعروفة تقادم انفصالها وسكنت مواطن كثيرة، جدهم الأعلى جمعة من اخوة سبت وخميس..)، ومن عناوين الكتاب الكثيرة: المس بيل والكابتن جيمس ساموريز مان في ديار الحاج عبادي الحسين، حلف عبادي الحسين وزعماء الشامية ضد الاستعمار، الشيخ عبد السادة الحسين، نفي الشيخ صكبان العبادي في مدينة مندلي بعد حركه رشيد عالي الكيلاني 1941م، مشاهدات أركان الشيخ عبادي في إنكلترة، الشعور والمدارك الثقافية لدى أهل المهناوية، آلبو هدلة والأحوال الاقتصادية لقبائل الفرات، العثمانيون يغيّرون تحالفهم من الخزاعل الى آل فتلة، اهتمام اسرة آلبو هدلة بالثقافة والتعليم، حركة الشيخ عبد الواحد آل سكر الوطنية وسجنه ببغداد ونفيه الى البصرة و تمثيله للملك فيصل لدى علماء النجف، عبد الواحد في تقرير الاستخبارات البريطانية.

هذا باختصار موجز عن البحوث التي طرقها الخليلي في الكتابين، يصلح أن يكون الباب الذي يمكن ولوجه لمن يهمه أن يدرس الخليلي كمؤرخ لا سيما اذا ما أضاف اليها دراسة موسوعته (العتبات المقدسة) وبقية بحوثه أو مقالاته ذات الصلة بالتاريخ والتي نُشر أكثرها في موسوعة (الأعمال الكاملة لجعفر الخليلي).

قد يعجبك ايضا