أربيل – التآخي
في بيان لافت حمل رسائل سياسية وقانونية متوازنة، أكد مجلس القضاء الأعلى مجدداً موقعه الدستوري وحدود دوره في المشهد العراقي، داعياً القوى السياسية إلى الالتزام بالتوقيتات الدستورية الخاصة بتشكيل السلطتين التشريعية والتنفيذية، ومشدداً على أن تجاوز هذه المدد لم يعد مجرد مخالفة إجرائية بل تهديد مباشر لاستقرار الدولة وتماسك مؤسساتها.
وجاءت لهجة البيان، الصادر عقب الجلسة الخامسة عشرة للمجلس، لتعيد تذكير القوى السياسية بأن التأخير المتكرر في تشكيل السلطات بات يفتح الباب أمام ضغوط وتفاهمات خارج الإطار الدستوري، في وقت يحاول فيه القضاء إعادة العملية السياسية إلى مسارها القانوني الطبيعي.
أبرز ما أثاره البيان كان الفقرة الأخيرة التي حملت رسائل واضحة وحادة، إذ أعلن مجلس القضاء الأعلى رفضه القاطع لمحاولات زج المؤسسة القضائية “أفراداً أو هيئات” في أي مداولات تتعلق بتسمية رئيسي السلطتين التشريعية والتنفيذية، ولا سيما منصب رئيس الوزراء.
وأكد المجلس أنه لا يدعم ولا يتبنى أي رأي يتعلق بأي شخصية مرشحة لرئاسة الحكومة، محذراً من محاولات بعض الأطراف استغلال اسم القضاء في تسويق خيارات سياسية أو تبرير تفاهمات تعقد خلف الأبواب المغلقة.
يحمل البيان رسالة دستورية جوهرية تقول إن القضاء ليس طرفاً في الصراع السياسي ولا يسمح بتحويله إلى أداة لإضفاء الشرعية على اتفاقات أو اصطفافات. فالمجلس شدد على أن استقلال القضاء جزء أساسي من ضمان شرعية النظام السياسي وحماية مبدأ الفصل بين السلطات الذي يقوم عليه الدستور.
بيان القضاء لا يخاطب القوى السياسية فحسب، بل يوجه أيضاً رسالة تطمين إلى الرأي العام العراقي، مفادها أن القضاء يقف على مسافة واحدة من جميع الأطراف ولن يسمح بالتدخل في عمله أو استغلال اسمه. كما يحمل إشارة للمجتمع الدولي بأن مؤسسات الدولة ما زالت قادرة على حماية استقلالها رغم التعقيدات والضغوط.
في ظل المشهد السياسي المتشابك، بدا البيان وكأنه يقول بوضوح، عندما تتداخل الحسابات السياسية وتتعطل العملية الدستورية… يقف القضاء ليضع الخط الفاصل بين السياسة والقانون.
وبإعلانه هذه الخطوط الحمراء، يؤكد مجلس القضاء الأعلى أن بناء الدولة لا يمكن أن يستقيم ما لم تبقَ المؤسسات الدستورية فوق الصراعات، لا أدوات داخلها.