الهدف لم يكن ” كورمور “

شــريف علي

الهجوم الذي استهدف حقل كورمور الغازي في قضاء جمجمال في محافظة السليمانية في السادس والعشرين من تشرين الثاني أيا كان السلاح الذي الستخدم فيه، شكّل محطة خطيرة في مسار التوترات الأمنية والسياسية التي يشهدها إقليم كوردستان والعراق عمومًا. هذا الحقل الذي يعدّ من أهم مصادر الطاقة في الإقليم، إذ يغذي محطات الكهرباء بنسبة كبيرة، تعرض لأضرار جسيمة نتيجة هجوم مصدره من مواقع داخل العراق، ما أدى إلى توقف جزئي في ضخ الغاز وانقطاع واسع للكهرباء في مدن الإقليم بلغت نسبة 80%، الأمر الذي انعكس مباشرة على حياة المواطنين والخدمات الأساسية.
الهجوم لم يكن معزولًا عن سياق سابق، فقد سبقه خلال الفترة الممتدة بين منتصف حزيران وأواخر تموز سلسلة من الهجمات بالطائرات المسيّرة استهدفت حقول ومنشآت نفطية وحيوية في مناطق مختلفة من كوردستان، وأدت إلى خسائر اقتصادية كبيرة وتعطيل بعض المشاريع الاستثمارية. هذه الهجمات المتكررة أوضحت أن البنية التحتية للطاقة في الإقليم أصبحت هدفًا مباشرًا من جانب الفصائل المسلحة المدعومة إقليميًا تسعى إلى إضعاف قدرة الإقليم على إدارة موارده بشكل مستقل، خصوصًا في ظل الخلافات المستمرة حول ملف الرواتب و تصدير النفط والغاز.

الأسباب التي تقف وراء هذه الاعتداءات تتداخل فيها عوامل سياسية وأمنية واقتصادية. فمن جهة، هناك قوى داخلية ترى في استقلالية الإقليم في إدارة موارده تهديدًا لمصالحها، ومن جهة أخرى هناك جماعات مسلحة مرتبطة بأجندات إقليمية تعمل على زعزعة الاستقرار في كوردستان كجزء من معادلة أوسع تتعلق بالنفوذ الإقليمي في العراق. كما أن وجود شركات دولية في قطاع الطاقة الكوردي يجعل هذه المنشآت هدفًا للضغط على الحكومات المحلية والدولية على حد سواء.

فالهجوم على حقل كورمور، رغم أنه بدا في ظاهره استهدافًا لمنشأة طاقة حيوية، لكنه يستهدف المواطن الكوردستاني أولا وأخيرا ، وأن الرسالة السياسية الكامنة تتجاوز البنية التحتية نفسها. فالهدف الحقيقي يرتبط بمحاولة ضرب استقلالية القرار الكوردي، والتشكيك في قدرة حكومة الإقليم على حماية إنجازاتها ومشاريعها وخدماتها التي تقدمها للمواطنين وهو ما يشكل أساس شرعيتها أمام المجتمع المحلي والدولي.

الأمر يتصل أيضًا بالبعد الانتخابي؛ فالفوز الساحق للحزب الديمقراطي الكوردستاني في الانتخابات البرلمانية الأخيرة أعاد تثبيت موقعه كأكبر قوة سياسية كوردية وعراقية، وأعطاه وزنًا أكبر في المعادلة العراقية. هذا الفوز لم يكن مجرد حدث داخلي، بل انعكس على مستقبل العلاقة بين المركز والإقليم، كونه عزز موقف أربيل في التفاوض مع بغداد، وأظهر أن الجماهير الكوردية ما زالت تمنح ثقتها للحزب الذي يقود الإقليم. إن الربط بين هذه الاعتداءات وبين الفوز الانتخابي للحزب الديمقراطي يوضح أن المستهدف هو المعادلة السياسية الجديدة التي كرّسها هذا الفوز، والتي قد تمنح الإقليم مساحة أكبر من الاستقلالية في إدارة شؤونه. لذلك، فإن الهجمات تحمل بعدًا سياسيًا بقدر ما تحمل بعدًا أمنيًا واقتصاديًا، وهي جزء من صراع أوسع حول مستقبل العلاقة بين بغداد وأربيل، وحول حدود استقلالية القرار الكوردي في ظل التوازنات الإقليمية والدولية.

من هنا، يمكن قراءة الهجمات على أنها محاولة لإضعاف صورة الإقليم أمام مواطنيه وأمام المجتمع الدولي، عبر ضرب قطاع الطاقة الذي يمثل شريان الحياة الاقتصادية والخدمية. فحين تنقطع الكهرباء عن 80% من مدن كوردستان، الرسالة ليست فقط تعطيل محطة أو حقل، بل التشكيك في قدرة حكومة الإقليم على الاستمرار في تقديم الخدمات، وبالتالي التأثير على ثقة الناس بالإنجازات التي تحققت.

ردود الأفعال جاءت متباينة بين الداخل والخارج. حكومة إقليم كوردستان أدانت الهجوم بشدة وطالبت الحكومة الاتحادية بتحمل مسؤولياتها في حماية البنية التحتية ومنع تكرار مثل هذه الاعتداءات، فيما اكتفت بغداد بتشكيل لجان تحقيق مشتركة .مع العلم أن الويكيليكس الكلداني اشار بوضوح ألى تورط حزب الله العراقي وعصائب أهل الحق بالعملية الارهابية .
القوى السياسية الكوردية اعتبرت أن هذه الهجمات تهدف إلى إضعاف الإقليم اقتصاديًا وسياسيًا، بينما عبّر المواطنون عن استيائهم من الانقطاع الواسع للكهرباء وما سببه من أزمات حياتية.

على المستوى الدولي، أصدرت الولايات المتحدة بيانات إدانة قوية، ووصفت الهجمات بأنها خبيثة وتستهدف زعزعة الاستقرار في العراق، مؤكدة دعمها لشركائها في الإقليم. بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق ( يونامي) من جهتها أدانت العملية الارهابية ودعت الى تشكيل لجنة تحقيق لتحديد هوية الفاعلين ومحاسبتهم ،فرنسا وعلى لسان سفيرها في العراق باترك دوريل ادانت الهجوم واكدت على ألتزامها بدعم أمن وسلامة الإقليم ،كما أبدت شركات الطاقة الدولية قلقها البالغ، حيث علّقت بعض عملياتها مؤقتًا بانتظار ضمانات أمنية أكبر، وهو ما يهدد مستقبل الاستثمار في قطاع الطاقة الكوردي. دول أخرى دعت إلى ضبط النفس وإجراء تحقيقات شفافة، معتبرة أن استمرار هذه الهجمات سيؤثر سلبًا على استقرار العراق والمنطقة بأكملها.

الهجوم على كورمور وما سبقه من ضربات بالطائرات المسيّرة يوضح أن البنية التحتية للطاقة في كوردستان أصبحت ساحة مواجهة مفتوحة، وأن معالجة هذه القضية تتطلب أكثر من بيانات إدانة أو لجان تحقيق شكلية. فالمطلوب هو بناء استراتيجية أمنية مشتركة بين بغداد وأربيل، وضمان استقلالية القرار السياسي بعيدًا عن الضغوط الإقليمية، إضافة إلى تعزيز التعاون الدولي لحماية الاستثمارات الحيوية. إن استمرار هذه الاعتداءات سيؤدي إلى إضعاف الاقتصاد الكوردي والعراقي معًا، ويزيد من هشاشة الوضع الأمني والسياسي في بلد يعاني أصلًا من أزمات متراكمة.

قد يعجبك ايضا