ياسر بادلي
لم يكن استهداف حقل الغاز «كورومور» حادثاً تقنياً عابراً، بل جاء كإشارة واضحة على تصاعد صراعٍ يتجاوز حدود الطاقة ليطال جوهر السيادة الاقتصادية في إقليم كوردستان. فهذا الحقل، الذي يمثّل أحد أهم أعمدة الاستقرار المالي والسياسي في الإقليم، تحوّل في لحظة إلى ساحة يتقاطع فيها المحلي بالإقليمي، وتختلط فيها رسائل الفاعلين قبل دخان التفجير.
إن توقيت الضربة ودقّتها يكشفان أن المستهدف ليس منشأةً صناعية فحسب، بل مساحة القرار الحر التي يمنحها هذا القطاع للإقليم. فعندما تُصاب البنية الاقتصادية في عمقها، تصبح الرسالة محاولة لإعادة رسم التوازنات الداخلية، أو دفع القوى السياسية نحو خيارات لم تكن مطروحة لولا ضغط المعادلات الجديدة.
على المستوى الداخلي، ثمة من ينظر إلى أي اهتزاز اقتصادي كفرصة لإعادة ترتيب خارطة النفوذ السياسي. فالمشهد المتكدر أصلاً يجعل من كل ثغرة اقتصادية مدخلاً محتملاً لتعديل موازين القوى أو إعادة هندسة قواعد اللعبة. في مثل هذا السياق المرتبك، يتحول الاستهداف الاقتصادي إلى عامل مضاعِف لانقسامات لا تحتاج إلى مزيد من الوقود.
أما خارج الإقليم، فالصورة أكثر تشابكاً وتعقيداً. فتركيا وإيران، ومعهما قوى فاعلة في بغداد، ترصد كل تفصيل يتعلق بقطاع الطاقة الكوردستاني باعتباره ورقة تأثير حساسة. إن إضعاف استقلالية القرار الاقتصادي للإقليم يمنح تلك الأطراف أدوات ضغط إضافية تُستثمر في ملفات النفط والحدود والأمن، وربما في تحديد شكل العلاقة المستقبلية بين أربيل وبغداد. ولذلك، فإن ضرب «كورومور» هو في جوهره إعلان خفيّ عمن يمتلك قدرة توجيه بوصلة الاقتصاد، وبالتالي التأثير في القرار السياسي الكوردستاني.
من هنا، فإن الردّ المطلوب لا يبدأ من تعزيز الأمن وحده، بل من إعادة ترميم البيت السياسي الداخلي. فالمرحلة الراهنة تفرض على الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني—بصفتهما عمودا المشهد الكوردستاني—أن يقدّما نموذجاً جديداً من التفاهم. فكل فجوة بينهما تتحول إلى منفذ تتسلل منه الضغوط الإقليمية والدولية، وتُضعف الاستقرار الذي يحتاجه الاقتصاد في لحظة شديدة الحساسية.
إن حماية منشآت الطاقة هي حماية لهيبة الإقليم قبل أن تكون حماية لمورد اقتصادي؛ حماية لمساحة القرار، وللقدرة على التفاوض بثقة، وللاستقرار الذي يبنى عليه مستقبل أي مجتمع. غير أن هذه الحماية لا تكتمل دون وحدة الإرادة السياسية وصلابة الجبهة الداخلية.
ورغم قسوة اللحظة، لا يزال بإمكان الإقليم تحويل التهديد إلى فرصة. فعندما تتكامل الإرادة السياسية مع رؤية اقتصادية واضحة، يتحول الهجوم إلى دافع لتعزيز اللحمة الداخلية بدل أن يكون سبباً لاهتزازها. المهم ألا يُترك «كورومور» وحيداً أمام العاصفة، لأنه لم يعد مجرد حقل غاز؛ بل أصبح رمزاً للتماسك، وبوصلة لاختبار قدرة الإقليم على حماية استقلالية قراره. فإذا استعيدت وحدة الصف، استعاد الإقليم وزنه، وإن تُركت تتصدع، تكسّرت معها مفاصل الحياة والاستقرار.