زوراب عزيز
تمرّ المنطقة اليوم بمرحلة تتكثف فيها الوقائع العسكرية مع التحركات الدبلوماسية في تزامن نادر؛ فالتطورات لا تتحرك على خط واحد، بل على مسارات متوازية تخلق مشهداً شديد التعقيد: توتر ميداني متصاعد، ضغوط دولية متشابكة، وإعادة رسم للعلاقات بين القوى الإقليمية الكبرى. هذا التداخل بين النار والسياسة هو ما يجعل اللحظة الراهنة مختلفة عن أي مرحلة سابقة منذ عقد على الأقل.
أولاً — المشهد العام: تداخل الهمّ الأمني مع الرهان السياسي
في الوقت الذي تتصاعد فيه المواجهات بين إسرائيل وجيرانها، يظهر المكوّن الكردي كلاعب قادر على تحريك ميزان النفوذ المحلي والإقليمي. الميزة الأساسية للكرد اليوم ليست في قوة واحدة موحدة، بل في تعدد مواقعهم: وحدات مقاتلة ذات وزن عسكري في شمال شرق سوريا، كتلة سياسية وحكومية مؤثرة في إقليم كوردستان العراق، وحركة شعبية ومنظمة مسلّحة ذات جذور في تركيا وإيران. هذا التوزع يمنح الكرد قدرة على المناورة بين عواصم إقليمية ودولية، لكنه أيضاً يجعلهم عرضة للابتزاز الأمني والسياسي من قوى الإقليم الكبرى.
ثانياً — تركيا: عملية سلام متعثرة أم فرصة تاريخية؟
أدت المبادرات الأخيرة داخل تركيا إلى دفع ملف السلام مع الحركة الكردية إلى صدارة النقاش السياسي. دور زعيم الحركة التاريخي لا يزال محورياً في توجيه المشهد التفاوضي، وزيارات ولجان برلمانية قامت مؤخراً بتمهيد أرضية للتواصل معه كجزء من مسار سلام متجدّد. هذه الحراكات الرسمية تُقرأ على أنها محاولة لتقليص العنف الداخلي وفتح صفحة جديدة، لكنها تصطدم بحيرتين: الأولى هي الشك الشعبي لدى قواعد الحركة الكردية والمجتمعات التي تحمل ذاكرة صدامات طويلة، والثانية هي حاجة الحكومة إلى ضمانات أمنية وسياسية تحول أي هدنة إلى حل طويل الأمد. نجاح عملية السلام التركية سيحدّد متى وكيف ستتحول القضية الكردية من ملف أمني إلى قضية دمقرطة وتمثيل سياسي فعلي.
ثالثاً — قسد (SDF): من القوة العسكرية إلى طاولة التفاوض
التحولات في شمال شرق سوريا تُعدّ من أهم محاور التأثير. قسد، التي أسهمت قبل سنوات في محاربة تنظيمات متطرفة وأمنت مناطق واسعة، دخلت في مفاوضات مع مؤسسات الدولة السورية حول شكل الاندماج أو الإدارة المحلية. قيادة الحركة تؤكد سعيها لحماية مكتسبات الإدارة المحلية وضمان حقوق المجتمع الكردي والمكونات الأخرى، بينما تحذر من أن أي ضمّ شكلي دون ضمانات واضحة قد يفضي إلى نزاع جديد. في هذا السياق، شهدت العلاقات بين قسد وحكومة إقليم كوردستان تطوراً ملحوظاً نحو تنسيق أمني وسياسي أوسع، ما يعكس رغبة مشتركة في تجنب فراغ ذي عواقب أمنية.
رابعاً — حكومة إقليم كوردستان: دبلوماسية نشطة ومغازلة للقضية الكردية إقليمياً
حكومة إقليم كوردستان تتعامل الآن كقوة إقليمية ذات وزن دبلوماسي واقتصادي؛ عروض استثمارية، فتح قنوات مع عواصم إقليمية، واستضافة لسفراء ومكاتب دبلوماسية كبرى تؤكد هذا التحوّل. هذه الديناميكية تمنح الإقليم هامش من المناورة في الضغط لصالح حلول سلمية أو لضمانات لحلفائه الكرد في بقية الحقول. لكن هذا المسار ليس بلا تكلفة: إقليم كوردستان يجابه معادلات اقتصادية معقدة (قضايا نفط وأنابيب واستثمارات دولية تتقاطع مع ضغوط واشنطن وموسكو وطهران)، ويتحاشى أن يقحم نفسه في صراعات بعيدة قد تهدد الاستقرار الداخلي. افتتاح قنصلية أميركية كبيرة في أربيل مؤخراً مثّل علامة على تصاعد الاهتمام الدولي المباشر بالإقليم كمركز موازٍ في المنطقة.
خامساً — خريطة التحالفات الكردية: مرنة ومشتغلة على عدة مستويات
التحالفات الكردية اليوم تُبنى غالباً على قاعدة «مصلحة آنية — حماية مستقبلية»؛ يمكن اختصارها في ثلاثة أطر متوازية:
1.تحالفات إقليمية عملية مع دول الجوار: عقود طاقة، تبادل تجاري، واستثمارات تضع الإقليم في علاقة تبادلية مع دول مثل تركيا وإيران. هذه العلاقات تُستغل لتأمين إمكانيات اقتصادية مقابل حماية المكاسب السياسية.
2.تحالفات سياسية مع فواعل كردية عبر الحدود: تعزيز قنوات تواصل بين قيادات قسد والقيادات في إقليم كوردستان ووجهاء محليين، بهدف تنسيق مواقف التفاوض مع دمشق أو أنقرة وضمان إدارة مخاطر محلية.
3.شراكات أمنية وانتقالية مع فاعلين دوليين: احتضان مصالح قوات دولية وصياغة تفاهمات أمنية لردع تدخلات قد تقوّض الاستقرار.
هذه المرونة تمنح الكرد قدرةً مميزة على حماية مصالحهم قصيرة الأمد، لكنها تضع أمامهم معضلة: كيف يحولون هذه المرونة إلى مكاسب سياسية دائمة (حقوق دستورية، تمثيل، ضمانات أمنية) بدلًا من أن تبقى مجرد توازنات إقليمية مؤقتة؟
سادساً — تداعيات على عملية السلام التركية وعلى القضية الكردية عامةً
نجاح عملية السلام التركية يعني تحوّلاً محورياً: عودة عشرات آلاف النازحين، إعادة دمج المقاتلين، وفتح مسارات سياسية شرعية لقيادات كردية داخل الإطار التركي. لكن فشلها قد يعيد إنتاج حالة عنف من نمط ماديّته الداخلية ويتجاوز حدود تركيا إلى تبعات إقليمية (تأزيم العلاقات مع أربيل، إعادة توجيه تدفقات اللاجئين، وربما تحرك فصائل مسلحة في سوريا والعراق). لذلك، فإن أي اتفاق تركي يجب أن يتضمن ثلاثة ضمانات متزامنة: ضمانات أمنية واضحة، إصلاحات دستورية وسياسية قابلة للتنفيذ، وبرامج اقتصادية لإعادة بناء الثقة.
سابعاً — ماذا يعني هذا للمشهد الإقليمي الأكبر؟
حين تُنجز تسوية كردية معتبرة في أي من ساحاتها (أنقرة، دمشق، أربيل)، سيتغيّر ميزان القوى الإقليمي: قدرة تركيا على الاستقرار الداخلي سترتفع، ومشروع حكم ذاتي كردي متفق عليه سيقلّص ساحة استغلاله من قبل قوى إقليمية خارجية.
العكس صحيح أيضاً: هشاشة الحلول الكردية تغذي الفراغ وتثير تدخلات خارجية، ما يعيد إنتاج خطوط توتر بين تركيا وإيران والعراق وسوريا.
الكرد اليوم يمثلون جسرًا محتملاً؛ فبتحقيق تصميم داخلي متوازن، يمكن أن يسهموا في تهدئة ساحات أخرى عبر قنوات دبلوماسية وتجارية مع دول الجوار.
المسار المقبل
في لحظة تاريخية تتقاطع فيها الحروب الإقليمية مع تحولات الداخل في كل دولة من دول الشرق الأوسط، تبدو القضية الكردية أمام واحدة من أكثر مراحلها حساسية وتعقيداً. الكرد لم يعودوا كتلة هامشية أو رقماً صغيراً في معادلة مضطربة؛ أصبحوا ورقة توازن إقليمي، يتعامل معها اللاعبون الكبار بحذر، وبتقاطع مصالح، وأحياناً بتناقضات حادة.
في تركيا، يظل الباب المغلق لعملية السلام قابلاً للفتح إذا فرضت الظروف ذلك، ليس حباً بالمسألة الكردية، وإنما لأن أي تسوية داخلية قد تتحول إلى ضرورة أمن قومي، خاصة في ظل حسابات الحرب مع الغرب، والانكماش الاقتصادي، وصعود التوترات الداخلية.
أما قسد، فقد نجحت في الانتقال من قوة ميدانية إلى فاعل سياسي معترف به بحكم الأمر الواقع، رغم محاولات خنقها سياسياً ودبلوماسياً. قدرتها على البقاء ليست محض صدفة، بل تتغذى من شبكة تحالفات مربكة: شراكة عسكرية مع الولايات المتحدة، تفاهمات أمنية مع روسيا، اشتباكات مرنة مع دمشق، ومسافة محسوبة مع أنقرة.
إقليم كوردستان العراق يواصل لعب دور الوسيط الموزون بين واشنطن وطهران، وبين بغداد وأنقرة، وبين حدوده الداخلية وتعقيدات الساحة الكردية الأوسع. قوّة الإقليم لا تستند فقط إلى مؤسساته، بل إلى موقعه في شبكة المصالح الدولية، فهو ضرورة للطاقة، وممر تجاري، ومرتكز أمني، وحليف يمكن التفاهم معه.
القضية الكردية تتجه نحو إعادة تعريف مكانها في المنطقة: من أقلية متنازَع على حقوقها إلى قوة سياسية تبحث عن شكل جديد من الشراكة مع الدول التي تتقاسم معها الجغرافيا والمستقبل.
الشرق الأوسط يعاد تشكيله اليوم تحت ضغط النار والسياسة والاقتصاد، والمعادلة الكردية ستكون جزءاً من أي إعادة رسم حقيقية. فالمشهد المتحرك يمنح الكرد فرصة، ويضع عليهم مسؤولية؛ فالمكاسب التي تُنتزع في مرحلة الانهيارات الكبرى سرعان ما تتحول إلى قواعد ثابتة في مرحلة الاستقرار.
أي خريطة سياسية جديدة لن تستطيع تجاوز الدور الكردي أو الالتفاف عليه، فقد أصبح الكرد رقماً صعباً، سواء أحب الفاعلون ذلك أم كرهوه، والسنوات المقبلة ستكشف ما إذا كانت هذه اللحظة ستتحول إلى منعطف تاريخي أم إلى فرصة ضائعة أخرى في سجل الصراع الطويل.