شاعر أفريقيا

د . صباح ايليا القس

كان للطفولة وقعها في ابتداء الشاعرية وعلى العموم فان اي شاعر سابق او لاحق لا بدّ أن يبدأ مشوراه الشعري عن طريق التقليد .. وبالنسبة للفيتوري فلم يكن حاله أحسن من سواه فبدأ بالتقليد . ولم يعرف سوى دواوين الشعراء المعروفين في قائمة الشعر العربي القديم .. والتقليد يتطلب قراءة وادراك وحفظ الكثير من شعر الشعراء المعروفين سواء من كان ضمن المنهج الدراسي او الانفتاح على الثروة الشعرية التي تركها لنا الشعراء العرب منذ العصر الجاهلي وحتى بداية عصر النهضة ..

لم تكن وسيلة الحفظ التي نصحها به اساتذته كافية للنضج الفكري فقد استغل مرحلة المراهقة والاندفاع العاطفي لكي يندفع نحو الشعراء المعروفين والذين تغلب على شعرهم العاطفة المتدفقة من الجاهليين والاسلاميين ولاحقا المتنبي حتى شعراء المهجر وحتى ابو القاسم الشابي ..

ان التقليد الشعري جعل الشاعر الاسود يخوض في تجارب شعرية متعددة الابواب من المهارة الشعرية والوسائل الفنية والوزن والقافية وتجديد الصياغات وكيفية توظيف الافكار حتى استطاع أن يتجاوز الاساليب القديمة الى تجديد الشعر باختراع اسلوبه الخاص الذي يتميز به يقول مؤكدا لونه الاسود الذي لم يعد يخجل منه بل أصبح هذا اللون الزنجي مصدرا للتباهي بعد أن عزز موقعه على الساحة الشعرية العربية اذ صار صوتا شعريا تشهد له تجربته الانسانية التي ادركها الشعراء والمثقفون والصحفيون في ذلك الوقت .

يقول مباهيا ومقاربا بين الوجهين مع الفارق شكلا والعمق الانساني مضمونا :

ألئن وجهي اسود

ولن وجهك ابيض

سميتني عبدا

ووطئت انسانيتي .. وحقرت روحانيتي

فصنعت لي قيدا .. لا يا أخي

خاض الفيتوري تجارب متعددة عبر مسيرته الشعرية والانسانية تمثلت في انتقالاته المتعددة وطوافه بين البلدان لاسيما في دواوينه المتقدمة التي عالج فيها طبيعة الانسانية ومشكلة اللون الذي ظل يعاني من هذا التمييز وآثار العبودية حتى وقت متأخر ..

كان لا بد لهذا الاندفاع ان يتراجع قليلا وتعاد الحسابات من جديد ليدخل عالم التصوف والاندفاع نحو الذات والاعتماد على الطاقات الروحية الكامنة في النفس مستفيدا من التراث الصوفي العربي بروحانيته المعروفة مستفيدا من تجربة أبي العلاء المعري في الترميز والايحاءات والمشاعر والتخيلات ولاحقا الصدق الثوري ..

كان الفيتوري شاعرا متميزا وضع اسمه في سجل شعراء العربية بمزايا خاصة به لا يجيدها غيره واضعا الانسان في اعلى مقام مستفيدا من تجارب الشعراء المعاصرين له مثل السياب والبياتي وعبد الصبور فهو من شعراء النهضة الشعرية العربية الحديثة ..

خلاصة القول إن الفيتوري الاسود يعد شاعر الالتزام والاندفاع نحو مشاركة الجماهير اهدافها ومراميها معبرا عنها أصدق تعبير موازيا على الدوام بين الشعر والجماهير ملتزما بالانتماء الطبقي والوضع الاجتماعي الوطني ..

قد يعجبك ايضا