من الأدب الكوردي المترجم الخجل الساذج

قصة: أديب عبدالله

ترجمة شَمال آكريَي
إذا غابت عن ذاكرتك فسأذكّرك. أنت حرٌّ أيضاً في أن تجعل تلك الأمنية التي ظلّت حُلماً يراودك منذ الصغر، ولم تجرؤ على تحقيقها، برقيّةَ إنذارٍ بين يديها، لكي تعرف هي الأخرى قيمتها في عينيك.
ما زلتَ حتى اليوم شاباً أنيقاً ومتفائلاً، لكن، إن لم أكن مخطئاً، فقد كنتَ قبل أكثر من أربعين عاماً فتىً وسيماً وذا خُلُقٍ رفيع، مهذّباً ومحترماً لدرجة أنّ الكثيرين كانوا يحسدونك. لم يكن أحدٌ يشعر بأحاسيسك؛ حتى نظراتك كانت خاليةً من الانفعال وهادئة، وأفعالك كانت بنّاءة كما هي اليوم. دعني أُحيي تلك الأحاسيس والأفكار والنظرات التي استحالَت في أعماقك إلى قصةٍ وعشقٍ سامٍ مفقود. دعني أُطْفِي بعض الحقائق الكامنة في صدرك على السطح، لعلّك في خريف عمرك هذا تُبْعِدُ عن نفسك بعضاً من هذا الخجل الساذج، وتوجّه ذلك الحب الذي يرهق ذهنك منذ سنين طويلة إلى طريقه السويّ، فتصير في حضنها طفلاً وُلِدَ من جديد لترعاك.
أعلم أن عودتك إلى تلك الفترة من جديد مستحيلة، فذلك الزمن الذي عشتَ فيه لن يتكرّر. وهي، مهما كانت سعيدة، فليس لديها الكثير لتسعد به عند لقائك، هذا إن لم يكن لديها شيءٌ على الإطلاق. قلبي يرأف بك أنت وحسب، فعندما أراها ألعن الأرض والسماء. لقد كنتَ شخصاً غريباً حينها كما أنت الآن، مهذّباً لدرجة أنّ روحك كانت في المكان الذي تضع فيه هي قدمها. فإذا لم تبادر هي، ستنتظر رجاءَك حتى تصبح عانساً في صومعتها.
أنت شخصٌ غريب الأطوار حتى اليوم، ما زلتَ تسير على السجيّة نفسها: لا تتقن لغة العشق، ولا تمتلك الجرأة للتعبير عن مشاعر الحب. أنت بذاتك جوهرُ العشق في أعماق روحك، ولكن أيُّ عشق؟ ذاك العشق الذي يولَد في داخلك، وربما لا يولَد أبداً دون أن يعلم به الطرف الآخر. آه، كم هؤلاء العشّاقُ سالمون! أعرف أنك عاشقٌ بلا صوت ولا لسان. أنت غارقٌ في الحب، أنت الحب ذاته، والعشق يتدفّق منك. بيد أنّه ليس لديك الجرأة للتعبير عن مشاعرك، ولو أحبّك أحدٌ لجنّ وذاب في بحر عشقك.
هل تتذكّر؟ كانت عائلتك تضغط عليك كثيراً، فقد كان البيت بحاجةٍ إلى إضافة فرد جديد، لكنّ مرادك كان خياراً متميّزاً: جميلةً، ومن عائلة محترمة، وذات مكانة اجتماعية عصرية. عُرِضت عليك العديد من الخيارات القروية، ولكن لم يستهْوِك منها أيٌّ منها. لم يأتِ اسمُها على لسان أحدٍ منهم، ولو ذكروها لكنتَ تصارعتَ من أجلها كذئب. لكنها في الحقيقة كانت مناسبةً لك ولعمرك، ولو اجتمعتما حينها لكنتُما تعيشان الآن حياةَ الملوك والملكات.
لكن الحقَّ يُقال: لم يكن الأمسُ كاليوم. من لم يكن لديه مَقْدرةٌ على زواج الشِّغار كان يُطلب منه مَهرٌ غالٍ، ولو لم يكن لديه كِلاهما لقرأ على نفسه الفاتحة وانكفأ في بيته صاغراً.
أنت صرتَ مهندساً، وهي طبيبةٌ ماهرة داوت جراح الجميع، وبقيت جروحك أنت على حالها لم تُشفَ. أنا لا ألومها؛ هل طرقتَ باب قلبها مرّةً واحدة؟ ألا تتذكّر تلك السنة، يومَ الخميس، الساعةَ الرابعةَ عصراً، عندما تعرّضتَ لحادث سيرٍ أفاقك منه سريرُ المستشفى؟ استيقظتَ في منتصف الليل لتجدها هي وصديقةً لها عند رأسك، تذرفان الدموع لأجلك. عندما وقعت عيناك عليها، تلاشت تلك الجراح المؤلمة في جسدك، بل منحتك إحساساً وحياة. كاد قلبك يطير من قفص صدرك نحوها. قلتَ في نفسك: إذا كان الإنسان سيرى هذا ولو للحظات، فليَرْقُدْ في سرير المرض سنينَ وعقوداً، وليَلْزمْ زنزانةَ السجن ويتعرّض للتعذيب؛ إنّ لحظات رؤيتها تُعطي نفساً وتُحيي الحياة. هل سألتَها كم من الوقت اعتنت بك؟ أقول لك بيقين: لولا أنها كانت عند رأسك، ولولا أنك شممتَ عبيرها، لكانت عودتك إلى الحياة مرّةً أخرى مستحيلة.
أعلم أنك استسلمتَ لجميع الخيارات، وهي أيضاً أنهت سعادة حياتها بزواج شِغار. وضحّيتَ أنت بالكثير من عمرك من أجل حُبّك السامي المفقود. في النهاية، رفضتَ كلَّ الخيارات القروية واخترتَ خياراً مدنياً كما تمنّيتَ. أشعر حتى الآن أن ذلك العشق الذي صار حلماً قد كَبِر ويؤلم إحساسك. أنت تحبّها أكثر من روحك، وهي لا تملك أيَّ إحساسٍ تجاهك، أو إن كان لديها، فأنت لا تشعر به، وهي لا تشعر بك. وبالرغم من أنها الآن بلا سندٍ أو صاحبٍ أو زوج، فهي تحتاج إلى ظلّ، لكنها تألّمت كثيراً لدرجة أنها لم تعد تثق بأحد. هي تريد أن تكون سنداً لنفسها فقط. فإذا لم تطرق أنت باب قلبها، فلن تطرق هي أيضاً باب قلبك. دعني أنا أطرق باب قلبيكما كي تتعارفا، لكن يا لها من مهمة صعبة!

قد يعجبك ايضا