أدب الاختلاف
محمد عبد الجبار الشبوط
لا يكتمل أدب الاختلاف دون الإيمان بأنّ الحقيقةليست ملكًا خالصًا لطرف واحد، وأنّ كل طرف يحملجزءًا منها دون أن يحتكرها، وأنّ الوصول إلى صورةأصفى وأكثر توازنًا للحقيقة لا يكون إلا عبر الحوارالمنتج والاختلاف المنظّم، فالحضارات الكبرى لمتتقدم عبر الإقصاء بل عبر التفاعل والتكامل وتبادلالرؤى وتجربة المسارات المتعددة…
يُعدّ الاختلاف سمةً أصيلة في الوجود الإنساني،فهو تعبير عن طبيعة الإنسان المتفرّدة، وعن تنوّعالتجارب والرؤى والمصالح والبيئات التي ينشأ فيهاالأفراد والمجتمعات، ومن هنا فإنّ محاولة إلغاءالاختلاف أو نفيه أو اعتباره خطأً ينبغي تصحيحهتُعدّ فعلًا مضادًا لقوانين الحياة وسنن الاجتماع،فالحياة تقوم على التنوع، والوعي المتقدّم يُحسنإدارة هذا التنوع بما يحفظ الكرامة ويُحقق التعاونويمنع الصراع غير الضروري، وفي هذا السياقيتقدّم مفهوم أدب الاختلاف بوصفه قيمة حضاريةعُليا، لا تقتصر على التعامل الأخلاقي فحسب، بلتمتد لتشكّل بنيةً منضبطة لإدارة الحوار واتخاذالقرار وبناء الإجماع دون قسر أو إقصاء.
إنّ أدب الاختلاف يقوم على أساس الاعتراف بحقالآخر في أن يكون آخر، أي أن يملك رؤيته الخاصةدون أن يُطلب منه أن يتخلى عنها إرضاءً للغير،فالاعتراف لا يعني الموافقة، كما أن المخالفة لا تعنيالعداء، وإنما يعني الاعتراف أن يرى الإنسان فيالآخر إنسانًا كامل الإنسانية، له ما لنا وعليه ماعلينا، ويشترك معنا في الهدف الكبير: بناء حياةأفضل للجميع على قاعدة القيم العليا التي تتجاوزالمصالح الآنية والصراعات الصغيرة، وبهذا يصبحالحوار وسيلة للكشف عن الحقيقة لا لإثبات الذات،وأداة لتقريب وجهات النظر لا لتسجيل الانتصاراتالكلامية أو الرمزية.
عندما يتحوّل الآخر إلى خصم بالمعنى السلبي،يتراجع العقل وتتقدّم الغرائز، وعندما تُختزل الفكرةفي صاحبها يُلغى مبدأ المناقشة الموضوعية، وحينيُستبدل البرهان بالسخرية أو التخوين أو التجريحيفقد الخطاب قيمته ويتحوّل الخلاف إلى صراع يبدّدالطاقات ويُقصي إمكانات التلاقي، ولهذا فإنّ أدبالاختلاف يبدأ من ضبط اللغة، لأن اللغة هي الوعاءالأول للفكرة، واللغة المشحونة تنتج وعيًا مشحونًا،بينما اللغة الهادئة تنتج وعيًا هادئًا قادرًا على النظرإلى الأمور في عمقها لا في قشرتها المتوترة.
ويقتضي أدب الاختلاف السعي الدائم إلى النقطةالوسط التي يمكن أن يلتقي عندها المختلفون، فكلفكرة كبرى تحمل في داخلها قنوات تتيح العبور نحوالمشتركات، وليس من الحكمة الانطلاق من مناطقالاستقطاب، بل من مناطق التفاهم الممكن، لأن البناءلا يبدأ من نقطة الانفصال بل من نقطة الاتصال، ولوضاعت النقاط الوسط تحوّل المشهد من السياسةوالفكر إلى حلبة صراع نفسي وأيديولوجي لا نهايةله، بينما العقل الحضاري يبحث دائمًا عن حلول،وعن صيغ مشتركة، وعن خطوات تدريجية، دون أنيفقد الوضوح أو الهدف.
ولا يكتمل أدب الاختلاف دون الإيمان بأنّ الحقيقةليست ملكًا خالصًا لطرف واحد، وأنّ كل طرف يحملجزءًا منها دون أن يحتكرها، وأنّ الوصول إلى صورةأصفى وأكثر توازنًا للحقيقة لا يكون إلا عبر الحوارالمنتج والاختلاف المنظّم، فالحضارات الكبرى لمتتقدم عبر الإقصاء بل عبر التفاعل والتكامل وتبادلالرؤى وتجربة المسارات المتعددة التي تصنع فيالنهاية الوعي المشترك.
إنّ مستقبل المجتمعات التي تسعى لبناء دولةحضارية حديثة يعتمد اعتمادًا واسعًا على قدرتهاعلى إدارة الاختلاف بوصفه رصيد قوة لا بوصفهتهديدًا، وعلى قدرتها على تحويل الجدل من معاركانفعالية إلى عمليات تفكير مشتركة، وعلى قدرتهاعلى حفظ كرامة الجميع دون انتقاص أو تبخيس،فالإنسان الذي تُنتهك كرامته في الحوار لا يمكن أنيشارك في البناء، بينما الإنسان الذي تُصان كرامتهيفتح قلبه للتفاهم والتعاون.
وهكذا يصبح أدب الاختلاف ليس مهارة لغوية ولاتكتيكًا سياسيًا، بل قيمة حضارية جوهرية، وإحدىاللبنات الأساسية لبناء الوعي الجمعي القادر علىالانتقال من التشظي إلى الوحدة، ومن الغريزة إلىالعقل، ومن رد الفعل إلى الفعل المؤسس.