الدستور أولاً… ووحدة الصف ضمانةٌ لتطبيقه

د ابراهيم احمد سمو

في هذه المرحلة العصيبة التي يمرّ بها وطننا، لم يعد الحديث مجرد نصيحة عابرة أو رأي يسطّره قلمٌ في زاوية صحيفة. إنّ حجم الجرح الوطني وضغط الواقع يفوق قدرة أي فرد مهما كان نفوذه أو مكانته. ومع ذلك، تبقى للكلمة الصادقة مكانها حين تنبع من قلبٍ مخلص يرى في المستقبل فسحة أمل، ويبحث في تجارب الأمم عن بوصلة للخروج من الأزمات.

لقد تعلّمتُ – وأنا القارئ البسيط الذي يطالع يومياً تجارب الشعوب – أنّ أصعب اللحظات لا تُدار بالعشوائية ولا بالاجتهادات الفردية، وإنما بالاستشارة والعودة إلى أهل الشأن، ممن يملكون العقل والخبرة والقدرة على اتخاذ القرار العميق. ليست القضية أن يأتي أحد بتوصية عابرة أو رأي شخصي، بل أن تُبنى الرؤية على أساس علمي وتاريخي، مستفيدة من تجارب البشرية.

وحين قرأت عن اليونانيين، أدركت أنّ أمة خاضت الحروب وتجاوزت الصراعات لم تبقَ منها سوى الثقافة والفنون والمسرح والفلاسفة. تلك الأسس هي التي صنعت اليونان الحديثة، وهي التي استثمرت آثارها وحجراتها القديمة ومسرحها التاريخي في جذب العالم إليها، فنهضت بالسياحة والاقتصاد والعيش الكريم. زرتُ الأكروبولس 2007 والمسرح وبيت الفلاسفة، وعرفت كيف استطاعت تلك الأمة أن تحوّل تاريخها إلى رافعة للمستقبل.

وفي المقابل، نحن اليوم أمام لحظة تُلزم كل صاحب قلم وفكر وثقافة وفن بأن يتحمّل مسؤوليته تجاه الوطن. الصمت لم يعد مقبولاً، ولا يجوز أن نقف متفرجين على ابتعاد البيت الكوردي عن وحدته، في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى جبهة كوردستانية موحّدة، لا على أساس سياسي ضيّق، بل على أساس وطني شامل يحمي ما تحقق ويستوعب الواقع.

نحن لا نفتقر إلى الإمكانات. لدينا شخصية وطنية قادرة على حمل الأيام الصعبة، ولدينا من كل الأطراف مخلصون يمكن أن يشاركوا في صياغة رؤية جديدة تحفظ المنجزات التاريخية:

برلمان كوردستان، حكومة الإقليم، والحقوق التي تحققت عبر عقود من التضحيات. ويمكن – إذا صلحت النيّات – أن نبحث عن الممكِنات القانونية والدستورية التي تحفظ وضع الإقليم، بما فيها تنظيم النظام المالي والإداري، والسعي لضمان حقوق الموظفين ورواتبهم، ولو عبر تنازلات ذاتية من الجهات المسؤولة، ما دام الهدف إنقاذ الداخل.

هذا كله متاح وممكن، حتى لو لم يستجب الطرف الآخر في العراق، سواء من القوى الشيعية أو السنية. بإمكاننا، بقدر المستطاع، أن نمنح الشعب أملاً ومساحة للتوحّد ولمّ الصفوف، لأن المستقبل لا يُبنى إلا على التماسك. فالإقليم لا يحتمل فراغاً قانونياً، والعام الذي مرّ على أداء القسم البرلماني، في ظل عراق خرج من الانتخابات وسط ضجيج إعلامي وفقاعات سياسية، يجعل الناس تبحث عن خطوات جدّية تمنع العودة إلى نقطة الصفر.

الشعب، رغم كل ما يعيشه، يتعامل مع الأمور بجدّية، ويبحث عن حلول لا عن سجالات. وهو مستعد لتفهم أي تضحية يقدمها القادة، ما دامت تضحية من أجل سلامة الوطن، لا تنازلاً عن الحقوق ولا تفريطاً بالكرامة. فالتاريخ علمنا أنه لا مستحيل أمام القيادة الشجاعة حين يلتف الشعب حولها.

إنّ النداء اليوم واضح:

الوطن ينادي أبناءه، ولا سيما أهل الفكر والكتابة والثقافة والفن، إلى وقفةٍ شجاعة تُعيد البيت الكوردي إلى وحدته. المطلوب ليس معجزة، بل إرادة صادقة ونكران للذات واستعداد لتقديم ما يلزم في سبيل بقاء الإقليم ثابتاً على قدميه، صائناً كرامته، مكملاً مسيرة من ضحّوا لأجل أن نصل إلى ما نحن عليه اليوم.

نحن مع القيادة قلباً قبل قلمنا. ومن هذا القلم تنطلق هذه المناشدة:

رصّوا الصفوف… ولتكن الكرامة هي الخط الأحمر الذي لا يُمس

قد يعجبك ايضا