إبراهيم خليل إبراهيم
يوم 20 مايو عام 1882 م وصلت الأساطيل البريطانية والفرنسية إلى شواطئ المدينة ووجود السفن الضخمة في الميناء أشعل المخاوف والاحتقان وازدادت التوترات بين الأهالي والأجانب وفي يومي 11 و12 يونيو. اندلعت أعمال شغب دامية تحول بعضها إلى مذابح قُتل فيها عشرات من المصريين والأوروبيين وجُرح فيها القنصلان البريطاني والفرنسي أثناء محاولتهما التهدئة وتدفقت آلاف العائلات الأوروبية إلى السفن هربًا من العنف.
ردّت أوروبا سريعًا بإجلاء مواطنيها بالكامل تقريبًا من المدينة بينما واصل الجيش المصري بقيادة أحمد عرابي تعزيز التحصينات حول الميناء. أرسل الأميرال البريطاني بيوشامب سيمور إنذارًا أخيرًا بوقف التحصينات لكن المصريين أنكروها ورفضوا الإنذار وفي فجر يوم 11 يوليو 1882 كانت 15 سفينة حربية بريطانية في مواقعها وفي الساعة السابعة صباحا رفع الأميرال سيمور الإشارة (ابدأوا القصف) ٠
فتحت المدرعات البريطانية نيرانها الثقيلة على حصون رأس التين والطابية والفنار والمكس ومارابو وكافة الدفاعات الساحلية ٠ ردت المدافع المصرية بعدد 140 مدفعًا وبقوة وكانت إصاباتهم مؤثرة في بدايات المعركة لكن الفارق التقني كان هائلًا فقد استخدمت بريطانيا أحدث المدرعات في العالم آنذاك وإلى جانب زوارق طوربيد وسفن استطلاع وخمس مدمرات صغيرة وعلى مدار 10 ساعات ونصف تبادلت المدافع الضربات بلا توقف .

صمدت طابية الفنار طويلًا قبل أن يصيبها قذيفة أدت إلى تفجير مخزن الذخيرة وانسحاب المدافعين. سفن بريطانية صغيرة لعبت دورًا غير متوقع عندما اقتربت بشجاعة من حصون مارابو وسحبت نيرانها بعيدًا عن السفن الأكبر وبحلول العصر خفت صوت المدافع المصرية تدريجيًا إما لتدميرها أو لنفاد الذخيرة وعند الساعة الخامسة والنصف مساءً توقف القصف الأول وكانت الإسكندرية قد غُطّيت بسحابة من الدخان وبدأت النيران تشتعل في مناطق عديدة.
هبت رياح قوية فجر 12 يوليو فاهتزت السفن البريطانية ولم تستطع مواصلة القصف بدقة لكن بعض الحصون ومنها طابية المستشفى أعادت تشغيل مدافعها.
فاستأنف الأسطول القصف لفترة قصيرة قبل أن ترفع الحصون الأعلام البيضاء.
رغم رفع الرايات كان القرار البريطاني بالهبوط البري متأخرًا ولم ينزل الجنود إلى المدينة إلا في 14 يوليو ليجدوا الإسكندرية محترقة بالكامل تقريبًا في مناطق الأوروبيين والأسواق التجارية.
استمرت الحرائق 48 ساعة والتهمت خلالها حي المنشية ومناطق واسعة من وسط الإسكندرية القديمة. لم يكن قصف الإسكندرية نهاية المعركة بل بداية الاحتلال البريطاني لمصر فبعد السيطرة على المدينة تقدّم الجيش البريطاني عبر قناة السويس إلى التل الكبير حيث هزم جيش أحمد عرابي في شهر سبتمبر 1882 ومنذ ذلك اليوم أصبحت مصر تحت النفوذ البريطاني حتى ثورة 1952 بينما غادرت آخر القوات البريطانية البلاد في 1956.