مسؤولية الإنسان بين حرية الوعي وثقل الحقيقة

نوري جاسم

في عالمٍ تتناسل فيه الأسئلة بقدر ما تتكاثر القيود، تبدو هذه الحكمة نافذة تُفتح على ضوء مختلف؛ ضوء يعيد الإنسان إلى مسؤوليته الأولى: أن يكون حرًّا، واعيًا، قادرًا على أن يرى ذاته والعالم دون ستائر. فأسوأ أشكال الأسر ليست تلك التي تُفرض على الإنسان، بل تلك التي يحبّها لأنها تعفيه من مسؤولية الحرية، وهذا النوع من الأسر هو ما يجعل الظلم ليس مجرد فعل، بل مدرسة قاسية تُعلّم المظلوم كيف يبقى على الأرض بلا صرخة، وكيف يعتاد الجروح حتى لا يعود يراها.

وعندما يخاف العقل من السؤال يتحول الإيمان إلى عادة والعدالة إلى أمنية، ويغدو الإنسان جزءًا من روتين كبير لا يجرؤ على هزّه، ليجد نفسه محاصرًا بصمت الواقعية التي يُبرَّر باسمها كل شيء، حتى يظن المرء أن الصمت قوة، وأن الخضوع حكمة.

وفي قلب هذا المشهد يتسلل الفقر بمعناه العميق؛ ليس فقر المال بل فقر المعنى، ذلك الفراغ الذي يجعل الإنسان عاجزًا عن التضحية، عاجزًا عن منح خطواته اتجاهًا، لأن المعنى هو البوصلة وهو جذوة الطريق. وحين يفقد المجتمع القدرة على الحلم، يفقد القدرة على النجاة، لأنه سيُجبر على العيش داخل كوابيس غيره.

فالأمم التي لا تحلم هي أمم تائهة تستورد مستقبلها كما تستورد سلعها. ومن هنا يأتي الوعي بوصفه موقفًا لا معلومة؛ إنه القدرة على رفض ما يريد الآخرون فرضه، وهو انتصار صغير لكنه حاسم على ثقافة القطيع. وحتى الهوية، إن خافت النقد، تحوّلت إلى قفص مزخرف يكرر نفسه دون جوهر، لأن الهوية التي لا تتعرض للسؤال هي هوية تخشى أن تكتشف هشاشتها.

ومن جهة أخرى، حين تصبح الراحة معيارًا للحقيقة، يُستبدل الحق بالوهم، ويصبح الإنسان باحثًا عن الطمأنينة لا عن المصداقية، لأن الحقيقة بطبيعتها ثقيلة وتتطلب شجاعة حملها. وفي النهاية لا تنهض الأمم بالشعارات، بل باللحظة التي يفهم فيها الفرد أنه مسؤول عن العالم بقدر مسؤوليته عن نفسه؛ تلك اللحظة التي يدرك فيها الإنسان أنه ليس مجرد متفرج، بل صانع مصيره ومصير مجتمعه.

إن حكم الكاتب ليست جُمَلًا للتأمل فقط، بل دعوة لليقظة، لتحرير الداخل، لصناعة إنسان جديد يعرف أن الحرية مسؤولية، وأن الوعي مقاومة، وأن الحياة تبدأ حين يقرر المرء ألا يختبئ خلف الصمت بعد اليوم. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما..

قد يعجبك ايضا