الزهور التي تكذِب

نعمة المهدي 

(حين يصير العطرُ ستارًا للغدر)   لا تسقط العلاقات لأن حدثًا كبيرًا وقع، بل لأنها كانت تتآكل ببطء خلف تفاصيل صغيرة لا ننتبه لها. نظرة غريبة، كلمة عابرة، وردة لا تشبه معناها. هكذا تهتز الثقة… حتى لو كان كل شيء من الخارج يبدو جميلًا.  لم يكن زواجي من أحمد مفروشًا بالورود، لكنه بدأ برومانسية جميلة جعلت كل شيء يبدو طبيعيًا. كان أحمد شابًا مهيبًا، يلفت الأنظار بثقته ووسامته، حتى إن صديقتي المقربة سارة كانت ترى إعجاب البنات به وتراقب الأمر بابتسامة متحفظة، وهي تعرف—كما كنت أظن—أنه أحبني أنا وحدي. في سنتنا الأخيرة من الجامعة تمت خطوبتنا وسط مباركات الجميع، ثم تزوجنا بعد التخرج، وعشنا سنوات من الاستقرار. كبر المنزل بولادة طفلينا علي وليلى، وظننت أن الحياة اكتملت بهدوئها. بعد ستة عشر عامًا من الزواج، بدأ أحمد يجلب لي باقة ورد كل يوم خميس. كنت أستقبل الورد بفرح يشبه الحنين إلى بداياتنا. لكن مع الوقت بدأت ألاحظ أمورًا غريبة: باقات غير مغلّفة، سيقان مبتلة، وردة مجروحة كأن يدًا أخرى قبضت عليها قبلي. وكل مرة أسأله عن مصدر الورد… يغيّر إجابته. حتى وجدت ورقة صغيرة مخبّأة داخل إحدى الباقات، مكتوبًا فيها: «أراكِ الثلاثاء القادم.» لم يكن اسمي عليها. في الثلاثاء التالي، تبعته من بعيد. خرج قبل انتهاء دوامه، واتجه نحو منطقة تقع بعيدًا عن طريق المنزل، وتوقف أمام بيت أعرفه من زمن الجامعة. فُتح الباب… وظهرت امرأة تحمل رضيعًا. امرأة أعرفها أكثر مما ينبغي. كانت سارة. صديقتي القديمة. سارة التي شهدت أول أيام علاقتي بأحمد، وسارة التي كانت تبتسم للآخرين حين يرون وسامته، وكأنها تحفظ مكانة “الصديقة المخلصة”. شاهدته يقترب منها، يقبّل رأس الطفل، ويمدّ لها نفس نوع الباقة التي كان يمنحني إياها. لم تكن الصورة بحاجة إلى شرح. فالأجوبة كانت كلّها أمامي. بعد أيام قليلة من المراقبة الصامتة، أصبحت الحقيقة كاملة أمامي: أحمد متزوج من سارة منذ سنتين. ويزور بيتها كل ثلاثاء وكل خميس. والورد الذي كنت أتلقّاه… كان مجرد نسخة ثانية من وردٍ يقدم لصديقتي القديمة. لم أواجهه. لم أسأل. لم أطلب تفسيرًا. وفي ليلة خميس، حين عاد بالباقة الجديدة، وضعتها على الطاولة بصوت هادئ لا يشبه العاصفة التي في داخلي. رأيت يده ترتجف للحظة… كأنه شعر أن شيئًا تغيّر. لم أقل له شيئًا… ولم أستقبل منه شيئًا. في داخلي كانت هناك خطوة كبيرة تستعدّ للخروج من الظل. خطوة لم أحدّد شكلها بعد: هل ستكون مواجهة؟ انفصالًا؟ صمتًا طويلًا؟ أم إعادة بناء لحياتي من دون أحد؟ لا أحد يعرف. لكنني كنت أعلم شيئًا واحدًا فقط: للمرة الأولى… الورد لم يعد يخدعني.

قد يعجبك ايضا