الوالدان بين الأمس واليوم

د. ياسين الزيباري

تؤكد جميع الشرائع والقوانين الوضعية ، والفلسفات العالمية باحترام الوالدين ، ووصل الأمر أن مخالفتهما تكون بعد مخالفة الله تعالى، إلا إذا أمروه بمعصية، من هذا المنطلق هناك أحكام شرعية وحقوق للوالدين كثيرة، وكلما ازداد الإنسان ثقافة ينبغي عليه أن يحترم والديه أكثر، ولكن للأسف الشديد كلما تقدمت البشرية في العلم تأخر احترام الوالدين ، ونرى أن المجتمع الريفي أكثر تماسكا ً من المجتمع الحضري، ونرى في هذا الزمان هجر الوالدين لوحدهما، حتى أصبحت زوجة الابن تشترط أن لا تعيش مع والدي الزوج، وحرمان الجد والجدة من رؤية الأحفاد لسنوات طويلة، في كثير من الحالات.

ما دفعني إلى كتابة هذه الأسطر، أني ذهبت لزيارة صديق حميم لي تعرّض لحادث زلــَّـــة قـَــدَم ٍ في الحمام، لكي أطلع على تفاصيل الحادث وما يحتاج إليه من مساعدة بقدر ما نستطيع، فذهبت مع العائلة ولما دخلت المنزل كان قد غــيــَّــر منزله السابق فدخلت ورأيت دارا ً واسعة ذات الطابقين ووجود حديقة كبيرة بالإضافة إلى حديـقة أخرى مقابل المنزل بعد الشارع.

من الذي يسكن في هذه الدار؟ يسكن هو وعجوزه العاجزة محدودبة الظهر، وهو بالمقابل شيخ مسـِــن، و بدأ يسرد قصة سقوطه في الحمام على ظهره، ولا يستطيع الخروج من الحمام، ولا تستطيع زوجته أن تسحبه خارج الحمــّــام، وبقي على ذلك حتى أتى ابنهم الطبيب لمدة نحو نصف ساعة، ثم أخذه إلى المستشفى، وبقي فيها عدة أيام، ثم أُعيد إلى المنزل، وكل ٌّ ذهب إلى داره، وبقي الزوجان، وكان الموقف مؤلما ً، فقلت لهما هذه الدار الواسعة لديك أولاد وبنات، ماهي الأسباب التي تدعوهم إلى ترك الوالدين، فقال بكل ألم ، وأسى، هذا هو الجيل الجديد، كنا قد أتــيــنا بعاملة أجنبية وكنا ندفع لها أربعمائة دولار، ولكنها رحلت إلى موطنها، فقلت: صلة الرحم مع الأحفاد أكبر من الأولاد فذرفت عيناه من الدموع، وتذكرت قول التهامي حينما يضع ولده الصغير على بطنه وهو يناغمه فيقول:

وفرشت قلبي كي تدوس فيه بالقدم فو الله لو فعلت لما وجدت له ألم

ولم أستطع أن ألهب جراحه أكثر، ونجد هذه الثقافة العدائية منتشرة في المجتمع كثيرا، وأحيانا ً نقول إن المجتمع الريفي افضل من المجتمع المدني من حيث العلاقات الاجتماعية، وهنا يجدر بالذكر أنــَّـه حينما كان منزلنا في بغداد ، (1995) كان الوالدان يأتوننا من الموصل بين فترة وأخرى، وكان يهــل العيد بمجيئهما، ويرتبط الأولاد بهما أشدّ الارتباط، و ينـسوننا، وكنت أشعر بالطـمأنينة، بوجودهما في البيت، أقضي جميع أعمالي بكل راحة واطمئنان، وكأن َّ جيشا ً يحرس البيت، وأتــذكر حينما كانوا يعـودون إلى الموصل كان وضع البيت أشبه بالعزاء، و ذات مرة في ليلة حينما عادوا لم نتاول طعام العشاء، ونام كل واحد في مكانه، دون غطاء، ولمــا استيقظت لصلاة الفجر، رأيت أحدهم نام هنا، وآخر نام هناك، وآخر هناك في الهول ولم يذهب أحدنا إلى غرفة النوم.

هذه حالة من بين آلاف الحالات في التلاحم العائلي في وقت الفقر والعوز الظاهري والغنى الحقيقي النفسي، وهناك حالت مؤلمة في النزول في دور العجزة، بعدما كانوا يوما ً أشبه بالأمراء في منازلهم، والله ولي التوفيق .

قد يعجبك ايضا