حين يعود الماضي إلى العدسة موضة أم بحث عن هوية؟
مصطفى حسين الفيلي
لم يكن غريبًا أن نرى في السنوات الأخيرة موجة من العودة إلى الأساليب السينمائية القديمة عدسات Vintage تعود للواجهة، كاميرات 16mm تُستخدم في أفلام شبابية وتجريبية، وحبيبات الـ grain تُضاف عمدًا حتى في الأعمال المصوّرة بكاميرات رقمية فائقة الدقة. وكأن السينمائيين يلتفتون خلفهم ليبحثوا عن شيء تركوه قبل أن تسبقهم التكنولوجيا بخطوات واسعة.
هذه العودة ليست مجرد حنين عابر لفترة ذهبية، بل تشبه محاولة استعادة “عيب جميل” اختفى من الصورة المعاصرة. فالصورة الرقمية اليوم أصبحت مشرقة إلى حدّ الإغراق، نظيفة إلى درجة أنها فقدت جزءًا من روحها. كل شيء واضح، مصقول، ومترابط بلا صدفة. وكأن التقنية الحديثة تقترح علينا صورة مثالية أكثر مما ينبغي.
العدسات القديمة لم تكن مثالية، وهذا تحديدًا ما يمنحها سحرها. فهي لا تسمح للضوء أن يمرّ ببرود، بل تُضيف عليه هالة، ودفئًا، وربما خطأ صغيرًا يصنع مزاجًا لا يمكن تكراره. السينمائي الذي يختار عدسة Vintage لا يبحث عن وضوح، بل عن شخصية. يريد بصمة تجعل اللقطة تُشبهه هو، لا أن تشبه ألف فيلم آخر صُوّر بذات العدسات الحديثة.
أما كاميرات الـ 16mm، فهي قصة أخرى. خشونتها ليست نقصًا، بل ذاكرة معلّقة داخل الإطار. حركة الفيلم غير المنتظمة تمنح إحساسًا بأن الصورة “حية”، وأن وراء كل لقطة تنفّسًا، وظلًا، وملمسًا. هناك شاعرية لا يمكن اصطناعها رقمياً مهما ارتفعت الدقة أو تطوّر المعالج.
الـ Grain الذي عاد بقوة ليس مجرد زخرفة أو طبقة تجميلية. هو هواء الصورة. تلك الحبيبات التي تسبح فوق الإطار تضيف إحساسًا بالقدم، بالدفء، وبالحميمية. كأنها موسيقى صامتة تشدّ المشاهد نحو زمن آخر، زمن لم يكن فيه كل شيء متوقعًا، ولم تكن الأخطاء تُمسح بضغطة زر.
هل ما يحدث اليوم هو نوستالجيا؟ ربما جزئيًا. فهناك حنين واضح لمرحلة كانت فيها السينما أكثر بساطة وأقلّ حسابات. لكن الدافع الحقيقي أعمق من ذلك. إنها مقاومة للتماثل. محاولة لاستعادة هوية بصرية خاصة وسط محيط رقمي شديد التشابه. فحين تصبح كل الكاميرات تُنتج الصورة نفسها، يعود المبدع إلى ما يمنحه اختلافًا… حتى لو كان قديمًا.
والجمهور قد لا يعرف التقنيات ولا يسمّيها، لكنه يشعر بها. يشعر أن الصورة ذات العدسة القديمة “أقرب”، وأن الـ 16mm “أصدق”، وأن الـ grain “له روح”. وهذا الإحساس وحده يكفي ليبرّر كل هذه العودة.
في النهاية، ليست العودة إلى الماضي محاولة للهروب من الحاضر، بل ربما طريقة لمواجهته. عودة العدسات القديمة وكاميرات الفيلم ليست بحثًا عن تقليعة، بل عن معنى. عن تلك “العشوائية الجميلة” التي كانت تمنح الصورة صدقها قبل أن تُحاصرها التكنولوجيا داخل مربع الدقة المطلقة. فالماضي هنا ليس ذكريات… بل لغةٌ جديدة، تُقال بأدوات قديمة.