في تصويت جمهور نادي زاخو نموذجًا… الرياضة مرآة لنهضة زاخو

ابراهيم احمد سمو

في كل مجتمع، صغيرًا كان أم كبيرًا، تتجلّى الحقيقة نفسها: الشباب يتطلّعون إلى الكبار، والكبار يصبحون رموزًا تُقتدى، لا بما يقولون فقط، بل بما يفعلون ويقدّمون. لذلك نجد المثقف والأديب، والرياضي والفنان، وكافة شرائح المجتمع، يلتقون عند لحظة واحدة تُعيد تشكيل الوعي الجمعي: لحظة الانتماء. وفي تلك اللحظة، ومع كل تصويت أو موقف وطني صادق، يحدث ذلك الانسجام الجميل بين أبناء المدينة الواحدة، ويتحول الشعور بالانتماء من مجرد عاطفة إلى قوة دافعة توحّد الجميع تحت راية واحدة.

وهذا ما نشاهده اليوم في زاخو… مدينةٌ لم تعد مجرد اسم على الخريطة، بل حالة وجدانية يعيشها كل من ينتمي إليها أو يمرّ بها أو يتعلق بجمالها وروحها. لقد رأينا كيف اتخذ الجميع الطريق ذاته، وكيف سار الناس بلا تردد نحو دعم نادي زاخو، ليس بدافع المجاملة أو الرغبة في كسب الود، بل من حقيقةٍ يجب أن تُقال: جمهور هذا النادي أصبح مثالًا يُضرب به، جمهورًا يفيض بالوفاء، مستعدًا لبذل كل شيء من أجل ناديه.

إن مشهد التناغم بين الأجيال في زاخو — من شبابٍ في مقتبل العمر إلى كبارٍ يحملون خبرة السنين — ليس مجرد مشهد رياضي، بل لوحة اجتماعية كاملة. مدينةٌ تتطور في البنية والعمران، من السدود والبنى التحتية إلى نهر الخابور الذي لم يعد قادرًا على التقاط أنفاسه من كثرة الزوار، ومن الأسواق التي امتلأت بالحياة إلى الجسور والنافورات التي تتداخل مع جمال الطبيعة وصنع الإنسان، فترسم لوحة يمكن تقديمها بكل فخر كهدية لكل زائر أجنبي أو محلي.

زاخو أصبحت اليوم مدينة تجمع بين الروح الرياضية وروح الإعمار، مدينة تتقدّم بخطى ثابتة نحو مستقبل أكثر إشراقًا. والجمهور الرياضي فيها لم يعد تابعًا للنادي، بل أصبح — في حقيقة الأمر — يسبق النادي ويقوده، ويعطيه دفعةً معنوية هائلة. إذ إنّ التصويت العالمي الأخير الذي يضع نادي زاخو في سباق مع ناديين آخرين ضمن سجلات الفيفا، ليس مجرد حدث رياضي؛ إنه شهادة على قوة هذا الجمهور، وعلى قدرته في تحويل المبادرة الصغيرة إلى موجة كبيرة تكتسح كل الفضاءات الالكترونية.

وما يثير الإعجاب أنّ الاندفاع لم يكن حكراً على الشباب أو المتابعين الرياضيين فحسب، بل انضمّت إليه كل الشرائح: المؤسسات الرسمية، الشخصيات الاجتماعية، الاقتصاديون، المثقفون، وحتى البسطاء من الناس الذين ربما لم يشاركوا يومًا في أي فعالية إلكترونية، ها هم اليوم يبحثون عن طريقة لفتح بريد إلكتروني جديد والتصويت دون تردد. حتى ميبس دهوك — بما تحمله من رمزية ثقافية — أصبحت جزءًا من هذا الحراك، مما يعكس أن الحدث لم يعد رياضيًا فقط، بل ظاهرة اجتماعية عامة.

ولم يغب القادة عن المشهد. فعندما يوجّه رئيس حكومة إقليم كوردستان كلمة تحفّز الجماهير، فإن آلاف الأصوات تتحرك فورًا استجابةً لتلك الدعوة، وكأنها نبضة حياة تسري في الشارع. وما إن تبدأ الخيم تُنصب لاستقبال الحشود، حتى يتحول الأمر إلى كرنفال شعبي بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

ثم تأتي اللفتة الأجمل من رئيس الإقليم، وهو يجسّد قمة التحضّر حين يشارك برسالة واضحة عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، في موقف يعبّر عن دعم معنوي راقٍ، يليق بمدينة زاخو وجمهورها. وبعد تلك اللحظة، توالت الاستجابات من كل المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، حتى بدا وكأن الجميع، دون استثناء، قد اتحدوا في هدف واحد: الوقوف خلف جمهور زاخو ونادي زاخو.

إن ما يحدث اليوم ليس حدثًا عابرًا، بل هو كرنفال محبة وانتماء. إنها لحظة يعيد فيها الناس اكتشاف أنفسهم، ويجدون أن الانتماء إلى زاخو ليس علاقة مكان فقط، بل علاقة روح وتاريخ وهوية. ورغم أننا نعيش ضمن إقليم فيدرالي، إلا أن أبواب العالم كلها مفتوحة أمامنا، والجميع قادر على إيصال صوته.

ومن هنا، فإن الدعوة موجّهة إلى أبناء الداخل والخارج، إلى الكورد أينما كانوا، وإلى كل المكونات والقوميات والديانات والمذاهب التي تعيش في كوردستان في حالة أخوة وانسجام. فالوقت يمر بسرعة، ويجب أن نسابقه. التصويت ليس مجرد نقرٍ على شاشة، بل هو موقف ووفاء، وهو واجب أمام الضمير قبل أن يكون واجبًا اجتماعيًا.

لقد كانت المشاركات السابقة — مثل الانتخابات — غالبًا مرتبطة بفئة عمرية محددة. أما اليوم، فإن باب التصويت هذا مفتوح للجميع بلا استثناء، من الطفل إلى الشيخ، من الطالب إلى العامل، من الموظف إلى التاجر. ولذلك فإن هذا الحدث يمثل انطلاقة جديدة لا تشبه ما سبقها، انطلاقة تُعيد تعريف معنى المشاركة الشعبية في حدث رياضي حضاري.

إن جمهور زاخو اليوم يصنع حدثًا يتجاوز حدود الرياضة، إنه يقدّم صورة مشرقة عن مجتمعٍ متماسك، قادر على تحويل أي مبادرة إلى عمل وطني جامع. ولذلك، فإن دعوتي للجميع واضحة وصريحة:
صوّتوا… ثم صوّتوا… ثم صوّتوا لجمهور زاخو.
إنها فرصة لإثبات أننا مجتمع يعرف معنى الوفاء والانتماء، مجتمع يستطيع أن يرفع اسم مدينته عاليًا، وأن يحوّل كل مناسبة إلى عيدٍ وطني صغير، يحتفل فيه الجميع — كوردًا وغير كورد — بما يجمعهم وليس بما يفرقهم.

زاخو اليوم ليست مجرد مدينة، بل قصة نجاح تُكتب بعرق الناس وصوت الجمهور ومحبة القلوب.
فلتكن أصواتكم امتدادًا لهذه الروح الجميلة، ولتكن مشاركتكم شهادة أخرى على أن الرياضة يمكن أن تكون مرآة لحضارة مدينة، كما يمكن للإعمار أن يوازي الروح الرياضية في رسم مستقبلٍ مشتركٍ أكثر إشراقًا.

قد يعجبك ايضا