حنان النشمي.. كيمياء الحرف وعبق الخضراء

محمد علي محيي الدين

ولدت الشاعرة والكاتبة حنان النشمي في الخامس من تشرين الثاني عام 1993 في بغداد – الكرخ، غير أن جذورها امتدت لاحقًا إلى أرض بابل، حيث استقرت وأكملت فيها مراحل حياتها العلمية والعملية. جمعت في شخصيتها بين العلم والعطاء، والشعر والخيال، فكانت أنموذجًا للمرأة العراقية التي تسعى لأن تجعل من الحرف رسالة ومن المعرفة ضوءًا.

أنهت دراستها الجامعية في كلية العلوم – جامعة بابل، قسم الكيمياء، عام 2021، وهناك بدأت ملامح شخصيتها المتعددة الاتجاهات تتبلور، فجمعت بين دقة العلم ورهافة الحس الأدبي، بين صرامة المختبر واتساع فضاء القصيدة. لم تكتفِ بهذا القدر، بل دفعتها طموحاتها إلى المضي في طريق البحث الأكاديمي، فالتحقت عام 2023 بزمالة دراسية للماجستير في تونس، لتعيش تجربة جديدة تجمع بين المعرفة العلمية والدراسات الإنسانية، وتضيف إلى رصيدها الثقافي أفقًا متوسطيًا ثريًا بالرموز والتاريخ والجمال.

عملت حنان النشمي أستاذة لمادة الكيمياء في مدارس الحلة الثانوية، وتميزت بأسلوبها الذي يمزج بين تبسيط المفاهيم العلمية وربطها بالحياة اليومية، مؤمنةً بأن العلم لا يزدهر إلا حين يلامس واقع الإنسان. كما مارست العمل في المختبرات الكيمياوية والتحليلات المرضية، فكانت دقيقةً في الملاحظة، حريصةً على الأداء، تجمع العينات وتعدّ التقارير بروح الباحثة التي ترى في كل تجربة نافذةً على أسرار الحياة.

ولأنها ترى في الكلمة وجهًا آخر للمعرفة، انفتحت على الكتابة الإبداعية في القصة والشعر وأدب الطفل والبحث، فكانت حاضرةً في الملتقيات الثقافية، ومشاركةً في الأنشطة التربوية، حيث جمعت بين العمل الإداري والمشاركة الأدبية بفاعلية متميزة. حصلت على عدد من الشهادات العلمية والتربوية والثقافية، وأكملت دورتين في اللغة الفرنسية استعدادًا لدراستها في تونس، وهي عضو في اتحاد الأدباء والكتاب في العراق ونقابة المعلمين.

أصدرت مجموعتها القصصية الأولى بعنوان “سجين بادوش” عن مؤسسة أبجد، وقد لاقت صدىً طيبًا في الأوساط الأدبية لما حملته من عمق إنساني ودلالات اجتماعية. كما تستعد لإصدار أعمال أخرى قيد الطبع، منها: “بين السماء والأسوار” – في أدب الأطفال، “رسائل إلى قرطاجنة” – في أدب الرسائل، “ليلة اختفاء السفير” – مجموعة قصصية، “على أعتاب قرطاج” – رواية تحمل إشراقات من تجربتها التونسية.

نُشرت أعمالها في عدد من الصحف والمجلات العراقية والعربية، منها: القبس الثقافي (الكويت)، بانوراما، الحدث، سطور، مرايا، كركوك، الوطن، نخيل عراقي، النهار، الأصداء، والعالم الحر، لتؤكد حضورها كصوت نسوي مثقف يجمع بين التعدد المعرفي والجرأة الفنية.

وفي ميدان الشعر، تمتلك النشمي شاعرية متوثبة تتكئ على اللغة الرصينة والموسيقى الداخلية، وقد تجلى ذلك في قصيدتها العمودية “في تونس الخضراء”، التي تنبض بحنين الشرق ودهشة اللقاء بين الروح العربية والمغربية، وتشي بموهبةٍ تتقدم بخطى واثقة نحو مكانها في المشهد الشعري العراقي.

حنان النشمي، في خلاصة تجربتها، ليست مجرد كيميائية أو أديبة، بل هي معادلة إنسانية تتفاعل فيها العناصر النبيلة: العلم، الفن، والإنسان. تمزج بين المختبر والقصيدة، بين التجربة والتأمل، لتقدم لنا نموذجًا للمرأة التي تُعيد تعريف الإبداع بوصفه توازنًا بين العقل والقلب، بين الدرس والحلم، وبين الحبر والهواء.

أما في الشعر، فقد كشفت حنان النشمي عن حسٍّ لغويٍّ راقٍ وشاعريةٍ رصينةٍ، تتكئ على الطريقة العمودية وتستبطن مشاعر الأنثى الباحثة عن الوجود والمعنى. ومن أبرز قصائدها قصيدة “في تونس الخضراء”، التي تفيض بحنينٍ عراقيٍّ شفيفٍ، وتمتزج فيها رمزية الاغتراب بصفاء الإيمان وصدق التأمل.

بـالـشـعـرِ بـيـن مـواطــنِ الْـخــلّانِ
(هـي أوَّلٌ وَهـوَ المـحَـلُّ الـثـانـي)

لـونُ المـلامـحِ تائـهٌ فِـي سحنةٍ
سَـلَـبـتْـهُ مـحـنَـتُـهُ مِـنَ الألـوانِ

ليلي قـرَيـحُ الـجَـفـنِ مَـزَّعَ رِمـشـهُ
عنـدَ الأســى عـينـانِ تنـهمـلانِ

يا فـجـرَ أسـفـاري بـقـيّـة غـربـتـي
منـذورةٌ فِـي هــودجِ الحــرمـانِ

أسرارُ خارطتـي تضيقُ بنطقِها
وتزيدُ من صمتـي ومـن كتمانـي

وَأنـا عـروقُ الـصبرِ ألقـحُ حـيـرةً
مـغـمـوســةً بـمـتـاهـةِ الشـريـانِ

توهـي بـيَ الْأقـدارُ أنّـى تكتفـي؟
وَالـروحُ بـيـنَ تجلُّدٍ وتفانِ

للهِ كُلُّ شـواردي وخـصاصتي
فتذَلَّلي وتـرفـعَّـي سـيّـانِ

للهِ أيَّـامٌ فـنيـتُ صبابتـي
فتهاتنت بهوامـشِ الأزمانِ

تبدو هذه القصيدة تجسيدًا حيًّا للحنين الروحي والاغتراب الداخلي، إذ تمزج الشاعرة بين تجربتها في الغربة التونسية وبين صوتها العراقي العميق. يتقاطع في النص بعدان: أحدهما إنساني يتحدث عن المنفى والبحث عن الذات، والآخر روحيٌّ يلوذ إلى الرضا والتسليم لمشيئة الله.

لغة القصيدة مشغولة بعنايةٍ لغويةٍ عالية، تتكئ على إرث القصيدة العمودية من حيث الوزن والصياغة، لكنها تكتسب نكهتها الحديثة من الصور المجازية والوجدانية التي تكشف عن شخصيةٍ حساسةٍ واعيةٍ بذاتها وبعالمها. في الأبيات نبرةُ تأملٍ وانكسارٍ نبيلٍ، تُقابلها صلابةٌ داخليةٌ تنبع من الإيمان والصبر، فتغدو القصيدة رحلةً بين العقل والقلب، بين الغربة والوطن، بين الألم والسكينة.

بهذه القصيدة، تُعلن حنان النشمي عن ولادة صوتٍ شعريٍّ جديد، يحمل في طياته مزيجًا من الموهبة الأصيلة والثقافة الواسعة، صوتًا مؤنثًا عراقيًا، لكنه يتخطى حدود الجغرافيا إلى فضاءاتٍ إنسانيةٍ أرحب، حيث يصبح الشعر وطنًا آخر للكلمة الحرة والروح الباحثة عن نورها.

ولا يفوتنا الاشارة الى تأثرها بالأجواء التونسية فقد كتبت لتونس الخضراء وجامع الزيتونة وابن رشد والشاعر الشابي وعن الجدة التي اكرمتها عند اقامتها هناك.

قد يعجبك ايضا