بلحو

قصة: عبد الخالق سلطان ترجمة: عبد الكريم يحيى الزيباري

ليست هذه المرة الأولى التي يطلب فيها من “ChatGPT5″، أنْ يصنع له صورة جميلة جديدة. أرسل صورة قديمة له، عبر البرنامج، قال له: “نظّف الصورة وغيّر ديكور خلفيتها”.

كانت الصورة، قد التُقطت قبل اثنتين وثلاثين سنة في مدرسة القرية، حينذاك كان في الصف الخامس الإعدادي. كان صديقه “سلو” قد جلبَ كاميرا فورية، ليلتقط للمدرس ولرفاقه صورًا تذكارية. كان واحدًا من هؤلاء الطلاب الذين يحبّون أنفسهم كثيرًا، ولا يملّ من التقاط الصور لنفسه.

في تلك المرحلة، كان “شعبو” يريد أنْ يكون قائد للتلاميذ، فرضَ نفسه مراقبًا للصف، وكان مُقرّبًا من المدير والمدرسين، رغم أنه لم يكن ذكيًا كــــ “جبي” أو “حمي”، اللذين فقدا أبويهما، بسبب جواسيس النظام البعثي آنذاك. لأنَّهما كانا يطعمان البيشمركة. “شعبو” كإخوته وأعمامه، قريبًا من أزلام النظام البعثي، وغالبًا ما كان يُرى مع “حسكو” الجاسوس الكبير في القرية.
في تلك الأيام، كان “شعبو” يريد أنْ يجعل تلاميذ القرية تحت إمرته. مدير المدرسة كان يهابه، لأنَّهُ بسبب مخاصمة صغيرة، نقلَ مدرسين اثنين من أهالي القرية إلى منطقةٍ نائية.

“ChatGPT5” أصلح الصورة مع بعض التعديلات، ولكن ظهرت خلفه، جدران المدرسة القديمة وبعض الطلاب كانوا ينظرون إلى عدسة الكاميرا بعيون مليئة بالكراهية. لذلك طلب “شعبو”، مرة أخرى من البرنامج أنْ يحذف هؤلاء التلاميذ من الخلف، وأنْ يضع بدلاً منهم رفوفًا لكتبٍ ومكتبة صغيرة في الزاوية.

رغبات “شعبو” كانت كبيرة جدًا. أراد أنْ يحكمَ القرية كرئيس عشيرة. ذات مرة، طلب من عمّه أنْ يؤسس فوجًا لفرسان الدفاع الوطني. في البداية ضحكَ العم من مقترحه، لكن بعد تفكير، قررت العائلة أنْ تشكل فوجًا وأنْ يلتحقوا بالذين يحرقون قرى الكورد.

تلك الصورة أعادها “ChatGPT5″، للمرة الثانية. ملابسهُ الكوردية ذات اللون البني، بَدَت نظيفة ومكوية، في تلك الأيام كان قد صار بمنصب آمر سرية في فوج فرسان الدفاع الوطني الذي أسسه عمِّهِ “عبي”. امتلأت جيوبه بالأموال، وكان لديه مسدس سميث على الجهة اليمنى من حزامه العريض، المسدس الذي أهداه إليه الرفيق “أبو سلمى”، عندما قاموا بتأسيس الفوج.

“شعبو” للمرة الثالثة، أعاد الصورة وطلب من برنامج “ChatGPT5″، أن يبدّل المسدس سميث بهاتف آيفون 17 في يده، وبدلاً من ملابسه الكوردية الشعبية البنية الرثَّة، بدلة سوداء أنيقة.

في تلك الأيام كانت عائلة “شعبو”، تأكل اللحم والدجاج والديك الرومي باستمرار، لكنه ظلّ كما كان، نحيلاً بوجه ثعلبٍ بائس غريب الملامح، عيناه غائرتان، ولحية صغيرة منفوشة، ومع ذلك كان يعتقد أنه أصبح وسيمًا، كنجوم السينما الذين يراهم على التلفاز.

بعد أن عدّل “ChatGPT5″، الصورة للمرة الثالثة، ظهرت فيها بعض العيوب: بعض شعره السَّرِح قد تجعَّد، وظهرت من بينهم شعرات بِيْض أيضًا. منذ ذلك الوقت، ظهرت بعض التجاعيد في جبهته. لكنَّ عينيه بقيتا كما هما الآن، صقيلتان. مرات كثيرة، قالت له والدته:

((ابتسم وأنتَ أمام الكاميرا لالتقاط صورة، لكيلا يظهر الصَّقل في عينيك)).

لكنه ظلَّ عاجزاً عن إخفاء صَقالة عينيه. زملاؤه في المرحلة الابتدائية، قالوا له: ” بلحو”، ذات يوم، لَمَّا ضربت ذلك الطالب وفَجَيتَ رأسه، وبعد ذلك، لم يجرؤ أحدٌ أنْ يناديك بلقب ” بلحو”. الذي اتخَّذ من هيبتهم هذه، طريقًا لقيادتهم، وأنْ يُمرِّرَ قراراته عليهم. في مرات كثيرة، كان يخرج الأموال من جيوبهم، ليستحوذَ عليها ويشتري لنفسه الحلوى من دكان العم سعيد.

بعد عِدَّة محاولات، برنامج “ChatGPT5″، أظهر الصورة نفسها وللمرة الرابعة، بعدما أزال جميع التفاصيل التي تزعجه في الصورة، شعرُ رأسهِ القذر، بَدَا بشكلٍ سَرَحٍ ممشَّطٍ وجميل وطويل حتى كادَ يلامس كتفيه، رأى نفسه يشبه “جورج كلوني”.

حقيقةً، حتى تخرج من الإعدادية لم يكن يعرف شيئًا عن السينما أو الثقافة، كان يرى نفسه أنيقًا وسيمًا ولا يحتاجُ أحدًا. صَلَفُه وصوته المرتفع، جعلَ كلمته أعلى من زملائه. ظهر في الصورة، خاتمه الفضيّ في سبابته، ذلك الخاتم الذي كان قد أخذه من “سفر ابن خجي”، بعد صفعتين قويتين على أذنيه. شعبان أبدًا لم يصدق، أنْ يأتي يومٌ يصبح فيه، “سفر ابن خجي”، ذلك الصامت، مسؤولا مهمًا، وأنَّ عليه أنْ ينتظرَ ساعةً وهو ينتظر قبل أنْ يدخل إليه ويراه. عندئذٍ قرَّرَ في نفسهِ، أنْ يصبحَ كاتبًا ذا شأن في المدينة. بعدما صار معلمًا، كتبَ بعض المقالات عن الشعور القومي، ونشرها في جريدة محلية، ورأى نفسه قد صار كاتبًا.

في المرة الخامسة، طلب من برنامج “ChatGPT5″، حذف الخاتم الفضي من سبابة اليد اليمنى، وأنْ يضعَ مكانه، خاتمًا ذهبيًا، وقلم حبر نصف ستيل، وأنْ يعدّل أنفه المدبَّب، ويصغِّرَ إذنيه الكبيرتين.

في ذلك الحين، كان يظنُّ، وما زال على تلك الظنون، حول استسهال عالم الكتابة، بمجرد إلقاء طوفان قيئه على الورقة. يسمي نصوصه شِعرًا، وأحياناً يطلق عليها قصة قصيرة، فإذا صعبت عملية تسمية النصوص والتجنيس، أطلق عليها نثرًا، في الفترة الأخيرة أطلق على نفسه الروائي. تلك الحكايات الشعبية والأساطير التي تداولها أجداده، أعاد صياغتها بتصرف كبير، وأسماها روايات!
خلال السنوات الإحدى عشرةَ الأخيرة، طرَحَ الكثير من الكتب، في الأسواق. كشخصٍ يحاول أنْ يستفرغ معدته ممتلئة، لكن لم يجمع جمهوراً لكتبه.

أخرجَ برنامج “ChatGPT5″، النسخة السادسة من صورته. شابٌ أمعط بعينين تلمعان بلا نَظَّارات، يرتدي بدلةً إيطالية فاخرة، بربطة عنق سوداء على قميص أزرق فاتح بلون السماء، جالسٌ في مكتب على كرسي فخم دوار، وخلفه رفوف من الكتب، وأمامه ميز مكتب من خشب الصاج، وأمامه كومبيوتر محمول نوعية ماك. وعلى وجهه ابتسامة فارغة.

صفَّقَ بيديه وقال: ها أنا ذا. الآن أستطيع نشر هذه الصورة لهذا الأسبوع في حساباتي على مواقع التواصل الاجتماعي. بسرعة نشرَ الصورة في صفحته على الفيس بوك، ومعها هذه السطور:

“الكتابة عمل يعبّر عن شخصية الإنسان”.

ثم قام بترجمة هذه الجملة القصيرة، بواسطة مترجم الغوغل، إلى اللغتين العربية والإنكليزية ونشرها. أول تعليق على صورته، جاء من إحدى صديقاته:

((عمرٌ مديد أستاذ، ما شاء الله، ليحفظ الله ابنك))!

قد يعجبك ايضا