حقوق الإنسان من منظور متعدّد الأبعاد

د. عبد الحسين شعبان

نشأت نواتات الحركة العربية لحقوق الإنسان في ستينيات القرن المنصرم، وتبلورت فعليًا في ثمانينياته، خصوصًا حين بادرت مجموعات حقوقية قومية ويسارية سابقة، برفع راية حقوق الإنسان في الوطن العربي، بعد أن أخفقت مشاريعها «الثورية»، وذلك تماشيًا مع الموجة الحقوقية العالمية، وكانت بعض الدعوات قد اتّخذت طابعًا أكاديميًا حين اقترحت تدريس مادة مستقلّة باسم حقوق الإنسان في الجامعات العربية، بهدف رفع الوعي الحقوقي والقانوني .

وكان الفقيه الدستوري حسين جميل قد بلور مشروعًا لتأسيس محكمة عربية لحقوق الإنسان، في إطار جامعة الدول العربية، تساوقًا مع «المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان»، التي تأسست في إطار الاتحاد الأوروبي في روما العام 1959 ومقرها الحالي في ستراسبورغ – فرنسا، و»محكمة الدول الأمريكية لحقوق الإنسان»، التي أنشئت في سان خوسيه – كوستاريكا في العام 1979 في إطار منظمة الدول الأمريكية .

وكان لمركز دراسات الوحدة العربية، ومؤسسه المفكّر خير الدين حسيب، دورًا بارزًا في تشجيع قيام منظمة عربية لحقوق الإنسان، وذلك بدعوة مثقفين عرب من اتجاهات مختلفة ومن تجارب متنوّعة للاجتماع في ليماسول (قبرص)، على هامش ندوة حول «أزمة الديمقراطية في الوطن العربي»، وهو ما تمخّض عنه تأسيس المنظمة في العام 1983، وكان الوزير المصري السابق فتحي رضوان أول رئيس لها. وقد اتّخذت المنظمة من القاهرة مقرًا لها بحكم الأمر الواقع (de’facto)، حتى اعتُرف بها قانونيًا (de’jure) في العام 2000، وتم توقيع مذكرة تفاهم بينها وبين وزارة الخارجية المصرية، وجرى التعامل معها كمنظمة إقليمية دولية تسري عليها القوانين المصرية النافذة .  

وقد أعقب قيام المنظمة تأسيس «المعهد العربي لحقوق الإنسان» في تونس العام 1989، بمبادرة من الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان واتحاد المحامين العرب والمنظمة، وترأسه الوزير السابق حسيب بن عمّار. وكان تأسيس المعهد إضافة نوعية جديدة لنشر ثقافة حقوق الإنسان والتربية عليها وتعميق الوعي الحقوقي والديمقراطي بشكل عام، حيث ساهم في تدريب المئات من الناشطين وتأهيلهم، فضلًا عن البحث في جذور فكرة حقوق الإنسان وروافدها في ثقافتنا العربية – الإسلامية، بما يُعطي مشروعية فكرية ومرجعية شرعية لها بوجه محاولات اتّهامها بأنها اختراع خارجي مشبوه يستهدف المجتمعات العربية لتفتيتها .

مشكلات موضوعية وذاتية واجهت الحركة العربية لحقوق الإنسان منذ تأسيسها مشكلات موضوعية وأخرى ذاتية، ومنها التحدّيات التي تتعلّق بشرعية وجودها وقانونيته، فضلًا عن إدائها وممارساتها التي اختلطت أحيانًا بالسياسة، أو هكذا حاولت بعض التيارات السياسية توظيفها لصالحها، في حين اعتبرتها تيارات أخرى منافسةً لها وتأكل من جرفها. وقد تجاذبت الحركة ثلاثة اتّجاهات أساسية :

الأول – «الاتجاه التصادمي»، إذْ مالت بعض المنظمات الحقوقية العربية إلى اعتماد معايير «مثالية» دون مراعاة درجة تطوّر مجتمعاتنا، ولهذا السبب اتخذت مواقف راديكالية حادة من الحكومات، بل دعت إلى القطيعة معها لعدم احترامها لحقوق الإنسان، وذلك بتأثير من التيارات السياسية القديمة التي تأسست عليها الحركة، والتي تعمّقت بانخراط التيار الإسلامي فيها .

ولعلّ هذا الاتجاه الانعزالي غلب عليه طابع التسييس، أي التأثّر بالمواقف والخلفيات السياسية التي هي أقرب إلى بعض اتجاهات المعارضات أو تخضع لبعض تأثيراتها المباشرة وغير المباشرة، وهو ما وجد ضالّته في مواقف بعض الحكومات التي وجدت فيه مبررًا وسببًا لرفض التعاطي معها والاستجابة لمطالبها .

الثاني – «الاتجاه التساومي»، الذي بدأ يبرز لدى بعض العاملين والنشطاء من داخل الحركة العربية لحقوق الإنسان، بحجة «الواقعية» و»فن الممكن» و»توازن القوى». وعمليًا قاد ذلك إلى التخلّي عن بعض المنطلقات المبدئية كالاستقلالية والمهنية وواجب الرصد والرقابة والنقد، ومثل هذا الاتجاه حاول تبرير تأييده لمواقف بعض الحكومات والسكوت عن انتهاكاتها لحقوق الإنسان بزعم «المصلحة الوطنية»، وعدم التأثر بالدعاية الخارجية أحيانًا .

الثالث – «الاتجاه العقلاني»، الذي يأخذ بنظر الاعتبار موقع الدولة ومسؤولية الحكومات فيها في ظلّ صراع المصالح الدولية، ويسعى لفتح حوار معها للوصول إلى شراكة وتكامل لاحترام حقوق الإنسان وتحقيق التنمية، آخذًا بنظر الاعتبار المزاوجة بين الوطنية والحقوق من جهة، وبين النقد والتعاون من جهة أخرى .

وبتقديري إن هذا الاتجاه هو الأقرب إلى المبدئية والمهنية والنظرة الاستراتيجية البعيدة المدى، فمنظمات حقوق الإنسان لا تسعى للوصول إلى السلطة، كما أنها ليست جزءًا من الصراع السياسي والأيديولوجي، وينبغي أن تضع مسافة واحدة بينها وبين المعارضات وبينها وبين الحكومات، وينحصر هدفها في تنمية المجتمع وتقدّمه والدفاع عن منظومة حقوقه .

الاستقواء بالخارج

برزت في الفترة الأخيرة بعض المحاولات التي تدعو إلى، وتشجّع على الاستقواء بالخارج من جانب بعض منظمات حقوق الإنسان تصريحًا أو تلميحًا بالترويج إلى توافق «مشروعها» مع المشاريع الخارجية، وبالطبع فإن ذلك يثير حساسية شديدة من جانب الحكومات والمجتمعات العربية على حدّ سواء، للإدراك العميق أن مشاريع الإصلاح الخارجية لم توصل الشعوب العربية إلى الأهداف التي تتوخّاها، لاسيّما باستخدام العنف أو الأعمال العسكرية، فمنظمات حقوق الإنسان هي منظمات سلمية لا عنفية تعمل في ظلّ القوانين والأنظمة النافذة، حتى وإن كانت تعارضها وتعترض عليها، لأنها تؤمن أن أهدافها لن تتحقّق إلّا بالتراكم والتطوّر التدريجي الطويل الأمد. وعلى الرغم من التطوّر الذي حصل في الحركة العربية لحقوق الإنسان، إلّا أنها ما تزال تعاني من مشكلات عديدة منها: ضعف الثقافة والوعي الحقوقي وغياب أو ضعف عنصر المبادرة على المستويين الفكري والعملي، خصوصًا وأن بعض إداراتها غير مؤهّلة لنضوب جاهزيتها الفكريّة، وعدم قدرتها على استنباط الأحكام في الظرف الملموس، إضافة إلى ضعفها الهيكلي والمؤسسي، الذي ينعكس على المهنية والاحترافية، وضعف نظام المعلومات والاتصالات والوسائل التقنية، ناهيك عن بعض المنافسات السلبية داخلها وبين بعض إداراتها، وفوق كلّ ذلك هناك تحديات أساسية تتعلّق بالتمويل، ولاسيّما الخارجي، وأجندات الجهات المانحة التي تتعارض أحيانًا مع توجّهات الحكومات والمجتمعات العربية، دون نسيان بعض الإشكاليات الداخلية الخاصة بأساليب عملها وتداول المسؤوليات داخلها .

قد يعجبك ايضا