بهاء زهير أحمد القيسي
يقول الشاعر عمر أبو ريشة في النسر كرمز للنهوض والكرامة:
أصبح السفحُ ملعبًا للنسورِ
فاغضبي يا ذُرا الجبالِ وثوري
إنَّ للجرح صيحةً فابعثيها
في سماع الدنى فحيحَ سعيرِ
يحتل النسر منذ فجر التاريخ دورًا بارزًا في شعائر الإنسان وطقوسه ومعتقداته، كما هو كذلك في شعاراته ورموزه القومية، فلقد كان طوطمًا مقدسًا، فرسموه على بوابات كهوفهم، ووشموا أجسادهم به، ومارسوا طقوسًا سحرية بريشه وبراثنه ومنقاره، وحتى سمّوا أنفسهم وأبناءهم ومعابدهم وقبائلهم به، ثم أصبح علمًا وشعارًا ورايةً ورمزًا حاربوا تحت ظله، واجتمعوا أمامه، وتعاقدوا بإزائه.
والنسر في اللغة العربية هو نَسَرَ يَنْسِرُ نَسْرًا أي بمعنى كشط كشطًا، فإذا نسر الجرحَ لحمَه فقد نقضه. والجمع: نسور، وأنسر، ونسار. وكنيته: أبو الأبرد، وأبو الإصبع، وأبو يحيى،،وأنثاه تُدعى أم قَشْعَم. ورد ذكر النسر في القرآن الكريم كاسم صنم كان يُعبد من دون الله وليس كطائر، وذلك في سورة نوح ضمن قائمة الأصنام التي أمر الله قوم نوح بتركها:
((وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا)). (نوح: 23).
كما ذكر النسر أيضًا في الكتاب المقدس بشكل متكرر، كمجاز لوصف قدرة الله على الحماية والعناية، كما في مزامير 91: 4، وفي الإشارة إلى سرعته كرمز للقوة الهجومية في تنبؤات عن الأعداء، وفي وصف قوة من ينتظر الرب كما في إشعياء 40: 31.
للرعاية الإلهية: في سفر التثنية 32: 11 تُشبّه ترنيمة موسى عناية الله بشعبه بعناية النسر لأفراخه حيث يبسط جناحيه ليحميهم.
للقوة والسرعة: يستخدم النسر كرمز للقوة في إشعياء 40: 31، حيث يذكر أن المنتظرين للرب (يرفعون أجنحة كالنسور) ويُستخدم أيضًا لوصف سرعة الأعداء في إرميا 4: 13، وفي مرثاة داود لشاول ويوناثان (كانوا أخف من النسور)
للجبروت والسيادة: استخدمت صورة النسر لتحذير الأمم مثل بابل ومصر. كما يُشار إلى بابل بـ(أسد ذي أجنحة) في رؤيا دانيال.
وفي العهد القديم كان النبي سليمان يسأل ساعة الاستعداد للحرب: هل راية النسر تجاه الجنوب والغرب؟ وحين جاءه الجواب بالإيجاب أعلن بدء حملته.
ظهر النسر كشعار في حضارات كثيرة وفي حياة الشعوب، بعضهم جاور العراق، وغيرهم كان بعيدًا عنه؛ ففي مصر القديمة مثلًا كان النسر شعارًا لإله الشمس “أوزوريس”. وفي حضارة وادي الرافدين كان جناحا النسر ينتشران على كتف مردوخ، معبود البابليين. وفي حضارة آشور كان إله الحرب يظهر بجناح نسر.
أمّا في الحضر فكان النسر هو شعارًا وعلمًا، كما ظهر في الكتابات الآرامية والمجسمات التي لا تزال موجودة في بقايا مدينة الحضر.
وكان النسر ذو الرأسين شعارًا للحثيين والسلاجقة في بداية القرن الثاني عشر.
اُستخدم رمز النسر بصورة واسعة في النقوش الفارثية، حيث طُبع على مسكوكاتهم بهيئة حيوان خرافي متألف من نصفين: أسد ونسر، يدعى (سِيمُرْغ)، وهي روح النسر التي تنزل على البشر لتعينهم. وكان لدى الساسانيين إله الخير والحكمة ويدعى (آهورا مزدا)، وكان يسكن قرب الشمس في معتقداتهم، وهو حلقة الوصل بين الآلهة والبشر.
وفي المقابل كان النسر لدى الإغريق المخلوق الذي يتقمّصه جوبيتر أو زيوس، كبير الآلهة في جبل الأولمب حين يرغب أن يتجسد بشكل يظهر به لبني البشر.
وقد أخذ الرومان لاحقًا رمزية النسر شعارًا لهم، فكان الناس يقولون في وصف قدوم الرومان إلى مكان ما إنهم “المقبلون بالنسور”.
وفي سياق هذا الذكر عن النسر والرومان، هناك فيلم تاريخي من إنتاج عام 2011، أخرجه كيفن ماكدونالد، ومن بطولة جيمي بيل، وتشانينج تيتوم، ودونالد ساثرلاند.
قصة الفيلم مأخوذة عن رواية المغامرات التاريخية “نسر التاسع” للكاتبة روزماري ساتكليف (1954)، وتدور حول ضابط روماني شاب يسعى لاستعادة النسر الروماني المفقود (أكويلا) من فيلق والده الذي كان يحارب الجرمان في المنطقة الشمالية من بريطانيا بعد أن نال والده العار لفقدانه الشعار الإمبراطوري.
يوجد في الجزيرة العربية العديد من المواضع الجغرافية التي اسمها نسر. ففي معجم البلدان للحموي قال:
هو موضع في شعر الحطيئة من نواحي المدينة، ذكرها الزبير في كتاب العقيق، وأنشد لأبي وجرة السعدي:
بأجماد العقيق إلى مراخ
فعَنْف سُوَيْقَة فَنِعاف نَسَر.
وقال الحافظ أبو القاسم في كتابه: إن عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن أحمد أبو محمد النَّسَري الداورداني قدم دمشق، وسمع بها أبا محمد بن أبي نُصَيْر، وروى عنه علي بن الخضر السلمي. والنسر: ضيعة من ضياع نيسابور، هكذا ذكره في آخر كلامه.
وكذلك السماء كما هي الأرض؛ إذ أطلق العرب اسم النسر على الأفلاك والنجوم والأجرام السماوية، ومنها اسم النسر الواقع على نجم لامع ينتمي إلى كوكبة القيثارة، وهو خامس ألمع نجم في السماء، وذلك لأنهم شبهوه بنسر ضمّ جناحيه إلى نفسه.
تشترك الكثير من دول العالم برمزية النسر؛ منها ما هو مثبت على علمها الرسمي، ومنها ما يكون شعارًا منفصلًا عن راية البلد. ومن هذه الدول مثلًا:
العلم الألباني: أحمر اللون، تتوسطه صورة ظلية سوداء لنسر ذي رأسين، وقد استعاروه من الإمبراطورية البيزنطية.
العلم المكسيكي: يتكوّن من خطوط عمودية حمراء وبيضاء وخضراء، وفي وسطه نسر يحمل ثعبانًا بمنقاره ويقف فوق نبتة صبار، محاطًا بنصف دائرة من أوراق الغار.
العلم الصربي: يتكوّن من ثلاثة أشرطة أفقية: الأحمر، فالأزرق، فالأبيض، ويتوسطه نسر أبيض ذو رأسين يحمل تاجًا ذهبيًا.
العلم المولدافي: ثلاثة أشرطة عمودية بالأحمر والأصفر والأزرق، يتوسطها نسر ذهبي يحمل درعًا أحمر وأزرق وصليبًا في منقاره، وغصن زيتون في مخلبه الأيمن، وصولجانًا في مخلبه الأيسر.
العلم المصري: ثلاثة أشرطة أفقية: الأحمر والأبيض والأسود، يتوسطه نسر صلاح الدين الذهبي
علم كازاخستان: أزرق فاتح، تتوسطه شمس ذهبية بـ 32 شعاعًا فوق نسر سهوب ذهبي.
وتعدّدت الدول التي اتخذت من النسر أو النسر ذي الرأسين شعارًا رسميًا لها، ومن أبرزها: روسيا، بولندا، ألمانيا، ليختنشتاين، النمسا، جمهورية التشيك، صربيا، الجبل الأسود، ألبانيا، رومانيا، أرمينيا، الولايات المتحدة الأمريكية، الفلبين.
أما الدول العربية فاشتركت في اتخاذ النسر شعارًا لها:
نسر صلاح الدين هو شعار نبالة يعود إلى عصر الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي (532 – 589 هـ / 1138 – 1193 م)، وقد وجد في قلعة صلاح الدين بالقاهرة، وأُعيد استخدامه بعد ثورة 23 يوليو 1952 في مصر.
وتستخدمه كل من مصر وسوريا والعراق واليمن والإمارات وغيرها من الدول العربية الأخرى، وتختلف بعض الإضافات كالأعلام والكتابة عليه من دولة إلى أخرى.
ويُعدّ شعار جمهورية العراق من أقدم الشعارات التي استخدمت النسر العُقابي رمزًا لها قبل مصر وسوريا؛ إذ ارتبط بالإلهة السومرية في العراق القديم، وأهمها الإله نينورتا أو نينگيرسو، إله الشفاء والصيد والزراعة والقانون والكتبة في الأوقات المبكرة، ثم إلهًا للحرب بعد بدء الصراعات في المنطقة، مع احتفاظه بصفاته العسكرية السابقة.
ويُعتبر نينورتا ابن الإله إنليل، المنتشرة عبادته بمدينة لكش بالعراق القديم، وقد عُرفت المنطقة بكثرة انتشار المعابد لعبادته فيها.
وقد حامت حوله أساطير عديدة، أهمها قصة الملك إيتانا الذي عرج به إلى السماء في أسطورته الشهيرة.
وتُعتبر مسلة النسور السومرية من أقدم الوثائق المصورة في التاريخ، حيث وثّقت الصراع الذي حدث بين لكش وأوما، والنصر الذي أحرزه إي–أناتم ملك لكش حوالي سنة 2450 قبل الميلاد.
والنسر من المخلوقات النبيلة، حيث تبني أعشاشها في أعالي الجبال كما هي بيئة موطن الكُورد، وله مكانة خاصة لديهم، إذ يمثل الشهامة والشجاعة والإباء. وقد استخدم الكورد النسر منذ آلاف السنين كشعار لهم، وقد سبقهم إلى ذلك الأيوبيون والمروانيون والميتانيون.
ويُعد النسر قاسمًا مشتركًا في شعارات العديد من دول الشرق الأوسط، مما يعكس هوية وتراثًا إقليميًا مشتركًا.
ويمثل بشكله الحالي في شعار رئاسة إقليم كوردستان نسرًا ذهبيًا مادًّا جناحيه، داخل دائرة تضم علم كوردستان، وهو يرمز إلى القوة والعز وحب الكورد للحرية.
واللون الذهبي يرمز إلى ثراء كوردستان بالموارد الطبيعية، والأقسام الأربعة في جناحيه ترمز إلى محافظات الإقليم الأربع
ختامًا، أتمنى أن نكون قد أوصلنا في هذا المقال الموجز فكرة عن الاستخدام الواسع لرمزية النسر عبر التاريخ الإنساني، من الحضارات القديمة إلى الدول الحديثة، حيث تؤكّد النتائج أن هذا الطير الجارح مثّل رموزًا عالمية للقوة الإلهية والسلطة السياسية والهوية الحضارية عبر القارات والعصور، مما يدعم فكرة أن النسر كان رمزًا عربيًا قديمًا ضمن تقليد أوسع يمتد عبر الحضارات.