د. ابراهيم احمد سمو
في صباحاتنا وأمسياتنا، وهي لحظات اعتدنا فيها الحكمة والرصانة، نحاول في الأمسية العاشرة أن نجيب عن حالة من العناد غير المألوف، وعن عنصرٍ من سوء الفهم الذي يدفع أحيانًا إلى إطلاق أحكام غير دقيقة. أردنا هذا المساء أن نكتب مقالة نعبّر فيها عن استغرابنا، ونحن نمارس الصدق واللطف، فيما يقابلنا الآخر بإبداء امتعاضٍ، بل وباستغرابٍ من مواقفنا. وقد استغربتُ بدوري من هذا الاستغراب؛ لأنّ فهم الواقع لا يُبنى على ظاهر الأمور، ولا على الصور التي تُلتقط، بل على ما يجري في القلوب وما تُعقد عليه النيّات.
وللأسف، هناك اعتقاد خاطئ لدى كثيرين بأنّ كثرة الزائرين والحضور في سلامٍ وقبلات تعني نجاحًا إعلاميًا وتثبيتًا سياسيًا، وأنّ من ازدحم بابه قوافل من الناس قد ضمن النصر مسبقًا. غير أن الحقيقة مختلفة تمامًا. فكم من بيتٍ امتلأ بالوافدين: بعضهم جاء حياءً، وبعضهم جاء درءًا للملامة، والبعض الآخر احتضن المرشح أمام الملأ وأبدى دعمًا كاملاً وتصويتًا مؤكدًا، ثم خرج من الباب الخلفي ليصوّت لغيره. والكثيرون ممن يُظهرون التأييد هم في الواقع مجرّد عابرين؛ يذهبون لتثبيت حضور اجتماعي لا أكثر، أو خشية أن يُقال عنهم إنهم قصّروا أو ابتعدوا.
وأنا شخصيًا زرتُ أشخاصًا بناءً على طلبٍ واستشارة، وقلت يومها جملة لا أنساها: ليس كل من طرق بابكم أو طبّل لكم سيصوّت لكم. وأضفت: لو صوّت ربع زائريكم فعليًا، لضمنتم الفوز. لأنّ قناعتي نابعة من إيماني الراسخ بأنّ الإنسان إذا عاهد نفسه وعاهد ضميره، فإن صوته يكون لله وللحقيقة، لا لغرضٍ في نفس يعقوب، ولا لاستعراض عضلاتٍ اجتماعية، ولا لرفع صورٍ وتسجيل فيديوهات ترويجية خالية من القيمة.
وقد سمعنا من بعض الناس أنهم ذهبوا لزيارة المرشحين فقط كي لا تُؤخذ عليهم شائبة، أو كي يُقال إنهم شاركوا ولم يقاطعوا. لكنّ الجوهر ظلّ غائبًا. نعم، هناك من استغرب من عدم الزيارة، وهو نفسه ثابت في مكانته، راسخ في قَدره، صاحب شخصية قلّ نظيرها وصفات يُشهد لها. ومع ذلك، وقع في دائرة سوء الظن. والعتب في آخره محبة، لكنّ الظن حين يتفرّع يصبح طريقًا ضيقًا لا يسع اثنين.
ومن خلال هذه التجارب كلّها خرجتُ بحكمة لم أكن أتوقعها:
لو صوّر كل إنسان صوته يوم التصويت—لا لعرضه للبيع، بل لإثبات مصداقيته عند الحاجة—لانتهت كثير من الإشكالات، وتوقّف كثير من التشكيك.
لكنّ مجتمعنا يعتبر التوثيق عيبًا، ويعتبر الصراحة ثِقلاً، ومع ذلك لا يتورع عن الشك والاتهام. ومن خسر الثقة بالآخرين فقد خسر الكثير؛ لأن استعادتها أصعب بكثير من الحصول عليها أول مرة.
والكاتب الذي يكتب بظنّ لا بيقين يوقع نفسه قبل غيره في الضياع. والندم، وإن جاء متأخرًا، لا يعيد صوتًا ذهب ولن يعود. لكنّ الأيام القادمة كثيرة، تحمل فرصًا جديدة ودروسًا لا تنتهي.
إنّ حياتنا لم تُبنَ لنعود إلى المربّع الأول كلما اختلفنا أو ساء فهمنا. لقد اجتهدنا وتعبنا، ودرسنا وتخرّجنا، ونلنا الدرجات العلمية، لا لنقف عند البداية، بل لنرتقي نحو السُلّم الأخير من العلو والنجاح. وقد نخطئ في التقدير أحيانًا، وقد نُسيء الفهم أو يُساء فهمنا، لكن البوصلة يجب أن تبقى ثابتة:
الصوت يُمنح لمن يستحق، لمن يحمل العلم، ويمتلك اللسان الفصيح، والشعبية الصادقة، والجرأة في المواقف الصعبة. ولا تستغربوا إن قلّت الأصوات أو اختلفت الحسابات. فالجايات—كما يقولون—فيها ألف حساب، وقد نعود فيها إلى المربّع الأول، لا حبًا بغيرنا، بل كرهًا بتكرار التجربة مع من لم يُحسن الظن ولم يُحسن التقدير. والله وحده من وراء القصد، وهو أعلم بالنيات وما تخفي القلوب.