إقليم كوردستان: من جغرافيا سياسية إلى بيت كوني للكورد

أحمد زبير باني

لم يعد إقليم كوردستان، بهندسته السياسية الراهنة وموقعه الجغرافي المتوتر، مجرد وحدة إدارية ضمن خرائط الشرق الأوسط، بل تحوّل تدريجيًا إلى باراديم وجودي للأمة الكوردية، بيتٌ تتجاوز حدوده مفاهيم الجغرافيا الكلاسيكية، ويعود إليه الكوردي كما يعود المعنى إلى جذره الأول. وفي هذا السياق، بدا ملتقى ميبس السادس ليس مجرد لقاء حواري، بل فضاء تأسيسيًا تتقاطع فيه السياسة مع الفلسفة، ويتجاور فيه التاريخ مع مستقبل يُعاد تخيله.

كان لخطاب الرئيس مسعود بارزاني في الملتقى (18 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 في دهوك) الأثر الأكبر، حيث تناول عدة محاور رئيسية تشكّل أساس الرؤية السياسية للأزمة الكوردية والعراقية والمنطقة. فقد دعا إلى تأسيس “دولة المؤسسات والقانون”، مؤكدًا أن “دويلات داخل الدولة لا يجب أن تصبح عائقًا”، وأن “سيادة القانون ووعي المواطن بحقوقه وواجباته ضرورة حتمية”. كما ركّز على تحسين الخدمات ومعيشة الشعب، مشيرًا إلى أن العراقيين “قد اكتفوا من الشعارات ويريدون تحقيق مشاريع ملموسة تشمل الكهرباء والطرق والمستشفيات والتعليم”. وأكد أن الاستمرار في الأخطاء يمثل جريمة، وأن الحلول الحقيقية لمشاكل المنطقة يجب أن تنبع من شعوبها نفسها بعد النظام الذي أعقب سايكس بيكو.

كما تناول الرئيس بارزاني الاستحقاقات والمتطلبات الدستورية بعد الانتخابات، مؤكداً التزام الإقليم بدستور 2005 القائم على الشراكة والتوازن والتوافق، ومشيرًا إلى أهمية تعديل قانون الانتخابات لضمان العدالة، وتأسيس المجلس والمحكمة الاتحادية، وتنفيذ المادة 140، وإقرار قانون النفط والغاز وفق الأسلوب الدستوري. وفيما يتعلق بالوضع في كوردستان، دعا الرئيس إلى “تشكيل حكومة واسعة القاعدة”، وضمان حقوق جميع الأطراف وفق الاستحقاق الانتخابي. كما أشار إلى المخاطر التي تواجه العراق، بما فيها الإرهاب وداعش والمخدرات والتطرف القومي والطائفي، داعيًا إلى التعاون الداخلي والدولي لمواجهتها، ومؤكدًا على أهمية “ثقافة التعايش المشترك وحماية العراق من أن يصبح ساحة للصراع”.

شارك في الملتقى عدد من الشخصيات العراقية البارزة، من بينهم رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، ورئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي فائق زيدان، والسيد عمار الحكيم، بالإضافة إلى عدد آخر من القادة والمفكرين العراقيين. كما شهد الملتقى حضورًا دوليًا واسعًا من السياسيين، والأكاديميين، والدبلوماسيين من أوروبا، الولايات المتحدة، والشرق الأوسط، ما جعله فضاء متعدد الأبعاد للحوار والفكر السياسي.

لم تكن زيارة مزلوم عبدي والسياسي البارز عثمان بايدمير للإقليم الأولى، إلا أن حضورهما في ملتقى ميبس السادس أضفى على الحدث بعدًا رمزيًا استثنائيًا. فالزيارة هذه المرة لم تكن مجرد بروتوكول، بل جزء من مسار استراتيجي للتواصل الكوردي–الكوردي. حضر اللقاء كلٌّ من الرئيس مسعود بارزاني، ورئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني، ورئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني، مما أعطى المشهد ثقلًا مضاعفًا، وأكد أن الإقليم يتعامل مع هذه اللقاءات بوصفها “أولوية وطنية لإعادة توحيد البيت الكوردي”.

على مستوى الضيوف، حضر مزلوم عبدي كأحد أبرز الفاعلين العسكريين والسياسيين في غرب كوردستان، فيما شارك عثمان بايدمير بوصفه “سياسيًا كورديًا بارزًا”، لا كقائد، لكنه صوت مؤثر وفاعل في المجال السياسي العام. وللمرة الأولى ألقيا “كلمة رسمية في الملتقى” ركّزا فيها على أهمية “وحدة الصف الكوردي”، وأشادوا بدور الرئيس مسعود بارزاني في القضايا الكوردية، وخصوصًا جهوده في “إحلال السلام في شمال كوردستان” ودعم “غرب كوردستان”. كما عبّروا عن “سعادتهم البالغة لحضور الملتقى”، وشكروا جميع القادة الكورد على حسن التنظيم والاستقبال، مؤكّدين أن الحوار الكوردي–الكوردي أصبح “مسارًا واعيًا ومسؤولًا” يعكس الأمل الممكن لبناء مستقبل مشترك.

وفق فلسفة الحدث عند بودريار وبارت، فإن قيمة الملتقى لا تكمن في وقوعه فقط، بل في “الدلالات الرمزية التي يفتحها”. ومن هذا المنظور، أصبح ملتقى ميبس “مرآة للانقسامات والانفتاحات الكوردية، وفضاء لتجريب نماذج جديدة من الحوار، ومحطة لإعادة تعريف الذات السياسية الكوردية في علاقتها بالعالم”. فقد أظهر أن الاختلافات لا تعيق الوحدة إذا تم تحويلها إلى “هياكل تفاوضية بنّاءة”.

يمكن تلخيص الرسائل الكبرى للملتقى في أربعة مستويات: إلى الداخل الكوردي، حيث “الاختلاف ليس لعنة والوحدة عملية تراكمية تبدأ باللقاء والثقة”؛ إلى بغداد، حيث الإقليم “شريك أساسي برأس مال سياسي ورمزي لا يمكن تجاوزه”؛ إلى المنطقة، حيث الكورد قادرون على “مد الجسور رغم التجزئة وتقديم نموذج للحوار”؛ وإلى العالم، حيث القضية الكوردية “مسألة هوية وثقافة وسيادة سياسية مسؤولة، وليست مجرد ملف أمني”.

أعاد الملتقى طرح السؤال الجوهري: هل يمكن لشعب موزع بين أربع دول أن يبني مشروعًا سياسيًا جامعًا دون تهديد استقرار أي منها؟ والإجابة: نعم، إذا تأسس المشروع على “تجاوز الإقليمية نحو كورديانية جامعة، وتحويل الخلافات إلى هياكل تفاوضية، وإنتاج خطاب تواصلي يربط الهوية بالمسؤولية”. وهكذا يصبح إقليم كوردستان “البيت الكبير للأكراد”، ليس لأنه يحتضن جزءًا من الأمة، بل لأنه يحتضن “فكرة كوردستان نفسها”.

اختتم الملتقى برئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني من خلال “مناظرة تفاعلية” مع المشاركين، حاملاً رسائل واضحة إلى جميع الأطراف: “تكريس الحوار والتفاهم بين الفصائل الكوردية المختلفة، وتحويل الاختلافات إلى أدوات تفاوضية بنّاءة، والالتزام بالمسؤولية الوطنية والإقليمية، ودعم الوحدة العملية دون المساومة على الحقوق والهوية، مع تعزيز دور الإقليم كبيت كبير يجمع كل المكونات”. لقد أصبح هذا الختام إشارة استراتيجية وبارومترًا للمستقبل السياسي لكوردستان والعراق، مؤكدًا أن ملتقى ميبس لم يكن مجرد حدث، بل “مرحلة جديدة للحوار والقيادة الكوردية المتوازنة”.

ما جرى في ملتقى ميبس السادس لم يكن مجرد لقاء سياسي، بل “تجربة وجودية” أعادت ترتيب علاقة الكورد بذاتهم وبمستقبلهم. وقد أكّد الحدث قدرة الإقليم على أداء دور الوسيط، ليس بحكم الجغرافيا فحسب، بل عبر “الرصيد الأخلاقي والرمزي والتاريخي” الذي راكمه عبر العقود. إنه الحدث الذي يشبه ما يسميه الفلاسفة: “اللحظة التي يتجاوز فيها المعنى ذاته… فيولد زمن جديد”

قد يعجبك ايضا