كورد صالح علي
قصة الفن الطويلة هي الانسان، وليست هي قصة تطور الرسم والشكل واللون وحسب، ذلك أن وراء كل مرحلة من مراحل الفن كان حدث حضاري يسجله الانسان على جدران لاسكو أو على هضبة الاكروبول أو على سقف السيكستين او في مدينة برازيليا ان عمر الفن يوشك ان يكون هو عمر الانسان فالفن صورة من صور العمل، والعمل هو النشاط المميز.
للجنس البشري بدأ الانسان حياته الأولى أقرب الى الفطرة منه الى المدينة والتحضر لأنه كان وقتئذ لا يدرك شيئاً من أسرار الطبيعة ولا يدري عنها الا ما يبدو له من مظاهرها، ولقد صنع أول الأمر سلعه وأدواته من الحجارة التي ألف رؤيتها وكانت أكثر المواد وقوعاً تحت أنظاره، فلما أخذت الأرض تكشف له عن كنوزها الدفينة تدريجياً وعرف المعادن مضى يستغلها في الشؤون التي كان يقف بها وفق حاجته وعلى الوجه الذي كانت تسمح له به ظروفه.
عـاش الانسان بادئ ذي بدء هائماً على وجهه لا يعرف شيئاً عن الزراعة ولا يعلم غير الكهف مأوى له ولا يدري كيف يروض الحيوان بأنواعه لاستغلاله في مأربه وكان دائم التنقل لا يستقر في مكان بل يلتمس الرزق حيث يجده بالصيد وجمع الاعشاب والثمار وبالجملة كانت حياته تبدو مضطربة تارة مطمئنة أخرى . ربما انزعج لسماع الرعد وأرتعد إذا ولى النور واطمأن إذا أقبل النهار وهدأت الطبيعة. ويبدو أنه كان في أوقات طمأنينة يعني بتزيين مسكنه فيرسم على جدران كهفه صور أنواع الحيوانات التي عاصرته في هجومها وهربها وفي أوقات رعيها الى أخر ذلك، كما كان يعنى بزينته فينظم من أسنانها عقوداً يشدها الى عنقه او يحيط بها ساعده، وكثيراً ما كان يخط على عظام الحيوان رسوماً كالتي كان يجدها على جدران الكهوف فيسهل بذلك حملها والانتقال بها من مكان لأخر وكان بعض الاحيان يجري على وجهه خطوطاً وما تزال الطريقة التي كان يستعملها لهذا الغرض معروفة الى يومنا هذا باسم الوشم. ان قصة الانسان القديمة ما تزال معاشة حتى يومنا هذا، عند البوشمان في افريقيا أو في أستراليا حيث
يكرر الانسان في بعض القبائل اساليب وموضوعات الفن في العصر الباليوليتيك المتوسط. ان دراسة فن ما قبل التاريخ تعتمد اذن على مكتشفات الفن في المغائر والكهوف القديمة … كما تعتمد على دراسة واقع القبائل المتخلفة. وقد اختلفت وجهات نظر الباحثين والدارسين حول خصائص الفن عند الانسان القديم وانقسمت الآراء الى قسمين ذهب بعضها الى أن هذا الفن كانت له صفة سحرية مجردة من الجمال والاحساس به في حين ذهب البعض الآخر الى أنه كان وسيلة للجمال..
ومن خصائص الفن (أي القديم) أن له الصفة السحرية الحيوية لأن اغلب الصور عندهم تمثل اشكال بعض الحيوانات يرسمها الفنان لا حبأ في هذه الحيوانات وإنما حباً في التغلب عليها إما لأكلها وإما لاتقاء اعتدائها عليه ومن هنا كانت لهذه الصور دلالة سحرية لأنها في نظر الانسان المتأخر وسيلة فعالة لاكتساب القوة في مقاومة هذه الحيوانات وأنه بفضل هذه ينجح في اصطيادها لإشباع حاجته الضرورية أو في قتلها ليعيش في أمان ولهذا كانت تلمس من وقت لأخر لتقوي سواعدهم وتملأهم شجاعة. وهنا يدلنا على أن عقلية الانسان المتأخر عليها التمييز في وضوح بين الشيء الواقعي وصورته بل إن الصورة لها وقع في نفسه أقوى من الشيء نفسه لأنها باقية ولها صفة الدوام بينهما الشيء نفسه متغير ويمكن التغلب عليه.
ويجب أن نذكر قبل أي شيء أخر، ان الفن كضرورة رافق دائماً ضرورة الدين ذلك ان البحث عن المطلق والمجهول والخوف من الخفي السحري، والسؤال عن المصير هي كلها من عناصر الشعور بالوجود، وكجواب على هذه الانفعالات كان لابد للسحر والاسطورة والدين من أن تأخذ مكانها في عقيدة الانسان أي انسان خلال الاف السنين. ونحن لا نميل مع ذلك الى الاعتقاد بأن ما صورة الانسان القديم كان فقط لايجاد تعاويذ تدفع عنه الشر وتجذب اليه الخير، الا إذا اعتقدنا ان الجمال الذي اتسمت به اعماله ونذكر على بيل المثال التمثال المسمى فينوس وللاندورف Willenderf وهو وسيلة الخير والطمأنينة. ويؤكد رأينا ان انعطاف الفن القديم نحو الطبيعة، أي نحو عناصر الجمال في الطبيعة هو دليل على ان الفن القديم لم يكن وسيلة للسحر والاستقرار وحسب بل كان وسيلة للجمال. وهناك من يذهب برأيه فيقول: وتدل تلك المحاولات على أن حب الجمال عزيزة في نفس الانسان وأن الفنون
إنما برزت الى عالم الوجود بوحي النفس والهام الطبيعة كما يدل هذا من ناحية أخرى على ان فن هذه العصور كان يطابق الحياة وقتئذ من جميع وجوهها ويعكس صورها بأمانة ودقة واخلاص. أن الانسان البدائي لجأ الى النحت على الصخور والرسم على جدران الكهوف كشكل فني معبر عن فكرة. حتى نرى أن البعض قد عرف الانسان بأنه (حيوان فنان) والحق ان هذا التعريف يصدق على الانسان في جميع اطواره.. فلقد ثبت ان الانسان الحجري القديم منذ نحو ٤٠ الف سنة قد انتج فنا ما يزال يشغل علماء الآثار وأهل الفن وهناك من يذهب الى القول أن الانسان البدائي عرف الموسيقى وهي فن قبل أن يعوف اللغة (بدأ الانسان يسعى في الارض في سبيل لقمة العيش فيتسلق الاشجار ويتنقل في الغابات فانه عرف أول ما عرف الموسيقى وقد عرفها قبل أن يعرف لغة الكلام اذ كانت الموسيقى هي وحدها لغة التفاهم بين الانسان وأخيه الانسان فيما قبل التاريخ فكان يصيح: را را را را، بو بو بو بو . او ينادي: ها ها ها ها ، يا يا يا يا فكان حديثه الفاظا قصيرة التركيب متكررة ذات نغم موسيقى ووزن شبيه بالاوزان الشعرية كما كان يجتمع مع قومه في حلقات للرقص فيعبر عن بهجته وغبطته بالتصفيق بالأيادي على نغم واحد لا نشوز فيه وهذا هو الاساس للشعر لفظا ومعنى. ثم أن هذه النداءات والصيحات البدائية تطورت مع تطور الزمن الى الاوزان الشعرية.