نوري جاسم

يُعدّ مقام الكُرد واحداً من أكثر المقامات الشرقية قرباً إلى النفوس والأرواح البشرية وأشدها تماساً مع الوجدان، فهو المقام الذي ينهض من عمق الحزن الهادئ ويسترسل في سكونٍ رقيق لا يخلو من الدفء، حتى قيل إنه مقام “الإنسان الداخلي” لما يحمله من صفاء وشفافية. يقوم هذا المقام على بنية موسيقية قريبة من السلم المينوري الطبيعي في الموسيقى الغربية، حيث تسير درجاته على توتر خفيف، ونصف بُعد في بدايته يمنحه هوية واضحة وخصوصية لا تشبه غيره. ولعل سرّ انتشار هذا المقام وملامسته للقلوب يعود إلى طبيعته التي تجمع بين الانكسار الهادئ وقوة التعبير، فهو لا يصرخ ولا يبكي، لكنه يقول الكثير بصمتٍ موسيقي عميق. أما سبب تسميته، فقد تعددت فيه الآراء بين الباحثين، غير أن الرأي الأكثر قوة وشهرة يردّه إلى الشعب الكُوردي، لأن الألحان الكوردية التراثية القديمة كانت تعتمد بنية هذا المقام في معظم غنائها الجبلي والوجداني. انتماء المقام لهذا الشعب لم يكن تسمية قومية فحسب، بل كانت شهادة فنية على ملاءمته للطابع الكوردي، إذ يمتاز التراث الكوردي بنغمات حزينة منحدرة وعبارات قصيرة متكررة تقترب كثيراً من طبيعة مقام الكرد العربي. وهناك رأي آخر يعود إلى العهد العثماني حين خضعت المقامات لعمليات تصنيف وتسمية منهجية، فجرى اعتماد اسم “الكُرد” للدلالة على هذا اللون اللحنـي المنتشر في مناطق الأكراد. غير أن دلالة الاسم، سواء جاءت من تراث موسيقي كوردي خالص أو من مدرسة التدوين العثمانية، تبقى مرتبطة بالطابع الشعوري نفسه الذي يعكسه هذا المقام في نفوس المستمعين. ومن الناحية التاريخية، لم يبرز مقام الكرد بشكل مستقل في كتب المقامات العربية الأولى مثل “الأدوار” لصفي الدين الأرموي، إلا بملامح قريبة لكنه لم يُذكر باسمه الحالي. وقد تبلورت هويته في القرون المتأخرة وخاصة في العهد العثماني، ثم اكتمل نضجه في المدرسة الموسيقية العراقية والتركية والمشرقية في القرنين التاسع عشر والعشرين. وقد أسهمت البغداديات والموشحات الجديدة والمدارس الإنشادية في منحه استقلالاً واضحاً، حتى صار واحداً من أهم المقامات المستعملة في الغناء الحديث. وفي مجال المدح المحمدي، استُخدم مقام الكُرد بقدْر أقل من البيات والحجاز، لكنه احتل مكانة مميزة في بعض المدارس الصوفية التي رأت أنه يعبّر عن حالة “الخضوع الهادئ” و“ابتهال القلب المطمئن”. فالمدائح التي تبدأ بمقام الكرد غالباً تحاول أن تُهيّئ المستمع للانتقال من الدنيا إلى حضرة النبي سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عبر مدخلٍ وجداني لطيف لا يرهق النفس بل يُرَقّقها. وقد استخدمته جماعات إنشادية شامية وعراقية ومصرية ومغربية، وبرز في بعض الأذكار القادرية الكسنزانية، خصوصاً في بدايات الحضرة حين يحتاج الذاكرون إلى مقام يسحب الروح نحو الداخل قبل أن ترتفع المقامات إلى الحجاز والنهاوند والصبا.
وفي الغناء، ترك مقام الكرد بصمة واسعة في الموسيقى العربية الحديثة، فقد غنّى عليه كاظم الساهر بروعة في “زيديني عشقاً” و“أشهد”، وبلغ فيه جمالاً عالياً بسبب قدرته الفطرية على تجسيد الانكسار الوجداني. كما أدّت ماجدة الرومي مقام الكرد في “كلمات” بصوتها البلوري، وظهرت ملامحه في بعض أعمال فيروز وميادة الحناوي وفي كثير من الأغاني العراقية المعاصرة. ويُعدّ الفنانون العراقيون أكثر من امتلكوه، لأن البيئة المقامية في العراق، خصوصاً في السليمانية ودهوك وكركوك، تتقاطع مع الروح الكوردية والتراث الشرقي معاً. أما في السياق الصوفي العرفاني، وخاصة لدى الطريقة العلية القادرية الكسنزانية، فإن مقام الكرد يؤدي دوراً روحياً خاصاً يشبه “المفتاح السري” للدخول في الحضرة. فهذا المقام عندهم يُستعمل في مرحلة “السكون التلقيني” حين يجري إعداد القلب، وهو لحظة صوفية تسبق الانخطاف. واقول واصفا هذا المقام بأنه صوت “الرجوع إلى الأصل”، لأنه نغمة لا تتعالى بل تنخفض، فتذكّر السالك بانحناء القلب، وتسحب النفس إلى باطنها حيث تتهيأ للذكر العالي. ولذلك يظهر مقام الكرد قبل ارتفاع الإيقاع أو دخول الذاكرين في التوجّه الجهري، فيكون بمثابة تمهيد عرفاني يُذيب ما في القلب من اضطراب ويجعل الروح أقرب للقبول. وقد اشتهر باستخدام هذا المقام عدد من مطربي المقام والمنشدين، من أبرزهم محمد القبانجي ويوسف عمر في المدرسة العراقية، إضافة إلى فرق إنشادية صوفية عديدة في العراق والشام وتركيا، كما حضر بقوة في الفولكلور الكوردي لدى كبار المغنين الشعبيين في السليمانية ودهوك. واختم بقولي “مقام الكرد ليس مقام الحزن، بل مقام العودة إلى الذات. هو المقام الذي يهبط بك قبل أن يرفعك، لأن الروح لا تعلو إلا بعد أن تعود إلى أصلها.
ولذلك أحبّه الصوفيون، ولذلك نجح في الغناء، ولذلك وُصف بأنه صوت الكُرد… لأن الشعوب التي عانت صعود الدنيا وهبوطها هي أفضل من يعرف معنى العودة.” ومن المصادر المقترحة للمعرفة في هذا المقام كتاب “الموسيقى الشرقية” لزكريا يونس، وكتاب “المقامات العربية” لحبيب ظاهر العباس، وكتاب “الموسيقى الكردية” لروگر خليل وكتاب “المقامات العراقية” لشعوبي إبراهيم ودراسات المعهد العالي للموسيقى العربية (القاهرة) وأرشيف الإذاعة العراقية وأصوات المقام، وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.