الانتخابات البرلمانية العراقية، 2025 و بصيص الضوء في نهاية النفق

 

د. توفيق رفيق التونچي

“وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ”
سورة الشورى الآية٣٨

متى تنضج العملية الديمقراطية لإدارة سدة الحكم في العراق؟

مع إعلان النتائج النهائية للانتخابات البرلمانية العراقية نرى غياب الأفكار ( الأيدلوجيات) والتركيز على صور المرشحين . هذه المحصلة النهائية لهذه الانتخابات التي نرى فيها الناخب ينتخب صورة ولا ينتخب الفكر السياسي وراء ألصوره. لكن الاستثناء الجزئي الذي يؤكد صحة القاعدة العامة نراه في البرامج الانتخابية لجميع الكيانات السياسية المشاركة في إقليم كوردستان حيث التنوع الفكري والعقائدي وللبرامج الانتخابية المدروسة خاصة للحزب الديمقراطي الكوردستاني.

 

 

تحليل نتائج اي انتخابات عراقية ليس بالأمر السهل وذلك لكون التجربة الديمقراطية لإدارة سدة الحكم جديدة بالمقارنة مع الدول الأخرى ذو الباع الطويل في الممارسة الديمقراطية. بدأ في هذه الانتخابات يغيب التيار الصدري مقاطعا ولأول مرة بأمر من زعيم التيار السيد مقتدى الصدر، ول نرى اي تغير جوهري في القوى السياسية الآخرة على الأقل في مواقع القيادة. استخدم في الانتخابات النيابية العراقية ومنذ عام ٢٠١٤ صيغة سانت ليغو ونظام سانت ليغو ‏Sainte-Laguë) method ( طريقة ابتكرت عام 1912 على يد عالم الرياضيات الفرنسي أندريه سانت ليغو، والغاية من هذه الصيغة هي توزيع الأصوات على المقاعد الانتخابية في الدوائر متعددة المقاعد، وتقلل من العيوب الناتجة بين عدم التماثل في الأصوات وعدد المقاعد المتحصل عليها، وهو عيب تستفيد منه الأحزاب الكبيرة على حساب الكتل الصغيرة، أما سانت ليغو المعدل فهو صورة معدلة الغرض منها توزيع المقاعد بطريقة أكثر عدالة.
النتائج النهاية لانتخابات العراقية، 2025 حسب المفوضية العليا للانتخابات:

 

1 ائتلاف الأعمار والتنمية 46 مقغد
2 حزب تقدم 33 مقعد
3 ائتلاف دولة القانون 29 مقعد
4 الحزب الديمقراطي الكوردستاني 26 مقعد

يضاف الى الجدول نتائج الفائزين بالكوته.

التوزيع حسب المكونات:

1 طائفة الشيعة 57.4 %
2 طائفة السنة 23.4 %
3 الكورد 17 %
4 المكونات السكانية الأخرى 2.2 %

 

 

لا يمكن إجراء اي تحليل للانتخابات النيابية في العراق دون العودة والرجوع إلى التاريخ تأسيس الكيان العراقي من ناحية أخرى العودة إلى الفكر السائد في المجتمع العراقي وتركيبه العقائدي والقومي. مملكة العراق أسسها الاستعمار البريطاني وحدد حدودها دون مشاركة من الشعب العراقي الذي لم يكن له كيان بل كانوا جميعا من رعايا الدولة العثمانية يعيشون في ولايات يحكمها حاكم عثماني. اي فرض الشكل والمضمون للكيان الوطني الحالي بأيدي أجنبية وبحاكم حجازي والذي فقد كرسي الحكم في دمشق بعد آلت سوريا وأصبحت من حصة إلى الانتداب الفرنسي وبطانته من شخصيات من رعايا الدولة العثمانية والإدارة العثمانية من مدنيين و عسكريين وطبعا تحت قيادة بريطانية. التجربة الديمقراطية في العهد الملكي كانت من الطبيعي ان تكون نموذجا ومحاكاة لما علية النظام الملكي البريطاني بمجلسين للنواب وآخر للشيوخ. أحبط المغامرين من العسكر وتحت سواد أفكار القومية العروبية القادمة من الحجاز، سوريا ومصر والتجربة بإقامة جمهورية بقيادة عسكرية ( الضباط الأحرار) وبغياب كامل للتعددية الحزبية والانتخابات الديمقراطية من تمثيل الشعب ومشاركته في القرار والى ذلك منذ ١٩٥٨ الانقلابات العسكرية للمغامرين حتى عام ٢٠٠٣ مع سقوط الدولة العراقية باحتلال البلد عن طريق جحافل جيوش التحالف بقيادة الولايات المتحدة.
الاتحادي اليوم يجب تحليل تكوينهم كشعب على ثلاث أسس هي على التوالي الطائفة الشيعية، السنة والكورد بالإضافة إلى قوميات وعقائد دينية اخرى غير مؤثرة في القرار السياسي وجانبية. بلغت نسبة المشاركة في هذه الانتخابات 56.11 بالمائة، وخاضها 7 آلاف و743 مرشحا، لاختيار 329 نائبا، هم إجمالي أعضاء مجلس النواب (البرلمان) وهم المسئولون عن انتخاب رئيس الجمهورية ومنح الثقة للحكومة العراقية القادمة. كما أسلفت من الملاحظ اختفاء كامل للصراع المبادئ الفكرية بين الأحزاب المشاركة لذا نرى الانتقال من قائمة إلى اخرى . وظهور سلوك الهجوم على الأشخاص ولليس برامج الأحزاب والأيديولوجيات وهي بالطبع سلبية ويمكن اعتباره خطا او نوعا من تقليد للنموذج الأمريكي . المجاميع المنادية إلى الإصلاح لم تكن فاعلة على الساحة وربما لفشل التجربة العشرينية وما حصل لممثلين الخط الإصلاحي في البرلمان السابق تحت سطوة المال . غياب تأثير الفكر الإصلاحي وخفوت دعوات إنهاء ومحاربة سيطرة الفساد في الإدارة العامة وغياب تأثير دعاة الدولة المدنية واختفاء اليسار بالكامل من الساحة حيث لا يوجد اي يساري من الأحزاب اليسارية التقليدية بين جميع النواب الذين تم انتخابهم مع استثناء أحزاب إقليم كوردستان الذين تمكنوا من ترجمة التركيب الفكري والعقائدي لشعب كوردستان.

 

 

هناك نتائج تؤشر إلى وجود مدن دون نواب وملايين الأصوات التي هدرت كنتيجة للانقسامات وأسلوب التصويت والمقاطعة وغياب الوعي وانتشار المال الرسمي الانتخابي في شراء الأصوات والتهديد والوعيد والوعود الانتخابية الخيالية. ناهيك عن زيادة كبيرة بين الناخبين الشيعة بالمقارنة مع الانتخابات الماضية وبأعداد كبيرة غيرت المعادلة وقد يكون ذلك نتيجة للزيادة السكانية وامور اخرى. لكن فوز حوالي ٢٣٠ وجهاً جديدا اي حوالي ٧٩٪ تم انتخابهم لأول مرة إيجابي جدا . هذا يعنيً تجديد جذري لتركيبة أعضاء البرلمان. شعب الإقليم اثبت مرة اخرى بوعي كامل لأهمية صوتهم ومشاركتهم في هذه الانتخابات رغم ان بعض الأحزاب الصغيرة اثرت سلبا على توزيع المقاعد مما أدى إلى خسارة في كركوك. الاتحاد الوطني الكوردستاني تمكن الحصول على حوالي نصف مليون صوت وكان قد ركز على رئيس الحزب والموروث الذي تركه المرحوم مام جلال الطالباني في إقناع الناخبين بدلا من الأفكار السياسية او حتى الإنجازات لذا حصد الأصوات في معقلهم في السليمانية ومدينة كركوك التي سكنها العائلة الطالبانية ودرس فيها مام جلال. فيما يعتبر الحزب الديمقراطي الكوردستاني الفائز الوحيد عراقيا و كوردستانيا في الحصول على اكثر من مليون صوت اي ان كل مرشح يمثل حوالي أربعون الف ناخب ويعتبر رقما قياسيا وهذا رقم كبير لحزب يدخل الانتخابات لوحده غير مؤتلف مع قوائم اخرى حيث كانت حملته اكثر تركيزا على الإنجازات ووعود بتطبيق المادة ١٤٠ وشعار كوردستانية المناطق المتنازع عليها والتي أصبحت الهاجس الأساسي لشعب كوردستان حيث لا يزال حدود الإقليم هيلامية غير مرسوم المعالم وتعاني المنطقة من التغيرات السكانية والإدارية التي قامت بها الحكومات العراقية المركزية المتتالية. هذه المسالة ستكون من اهم العوامل الخلاف بين الحكومة الاتحادية القادمة وحكومة الإقليم في دورتها الجديدة ناهيك عن المشاكل الاقتصادية. تجدر الإشارة كذلك بان ما حصل عليه الحزب في جميع مناطق تواجده في زيادة ملحوظة بالمقارنة مع الانتخابات السابقة. بينما لم تمكن حتى احزاب عراقية مؤتلفة الحصول على ربع هذه الأصوات. بلغ عدد المصوتين للقوائم الشيعية أكثر من 5 ملايين ناخب، بينما كان في حدود المليون و700 ألف، في الانتخابات الماضية مع العلم ان التيار الصدري قاطع الانتخابات.
لكننا لا زلنا نرى بان جميع القوى الشيعية مجتمعة تمثل الأكثرية ورغم وجود منافسة قوية بينهم إلا أنهم لديهم قاسم مشترك اعلى في الانتماء الطائفي اما السنة فلا توجد لديهم اي قاسم مشترك في حين اتخذ السيد الحلبوسي مثلا الحزب الديمقراطي وقياداته كهداف يرميهم بسهامه في حين كان عليه توحيد الصوت السني بدلا من تشتيته رغم نجاحه في الحصول على أغلبية صوت الطائفة السنية من العرب في معظم المحافظات. هناك دوما من السياسيين الفاشلين ولكنهم يحملون بذور الدكتاتورية في أنفسهم ولا يتركون سلوكهم المتغطرس والذي ينطبق عليه الحكمة المعروفة والمنسوبة إلى الإمام علي بن ابي طالب رضي الله عنه؛
من ملك استأثر.
هؤلاء الشخصيات سيعيقون اي محاولة للتوصل إلى تأليف حكومة عراقية وقد تدوم الحوارات والنقاشات طويلا ومن المتوقع في الأحوال الطبيعية ان تخرج الانتخابات النيابية بحكومة خلال ثلاث إلى ستة أشهر اي ١٥٠ يوما. لذا الأيام والشهور القادمة مليئة بالحوادث والمفاجآت.
يبقى الشعب هو الفائز الأول و الأخير في جميع الانتخابات الديمقراطية التي تضمن تأسيس كيان دولة العدالة الاجتماعية والتعددية الفكرية والسياسية وحماية الحريات العامة وتامين الحياة الكريمة لجميع طبقات الشعب. لذا ستكون الأيام والشهور القادمة مليئة بالحوادث والمفاجآت. نتمنى من الله عز وجل ان تكون هذه الانتخابات فاتحة خيرا على الشعب العراقي ويبعد الشر والشريرين عنهم. سيبقى الدستور الضمان الحقيقي لاستمرار الكيان مع القضاء المستقل اللذان يضمنان معا الحقوق الطبيعية للشعب والعيش المشترك لجميع مكوناتها القومية والعقائدية بسلام.
نتمنى من الله عز وجل ان تكون هذه الانتخابات فاتحة خيرا على الشعب العراقي ويبعد الشر والشريرين عنهم. سيبقى الدستور الضمان الحقيقي لاستمرار الكيان مع القضاء المستقل اللذان يضمنان الحقوق الطبيعية للشعب والعيش المشترك بسلام.

إشارات ؛
للمزيد حول صيغة سانت ليغو راجع؛
http://alwaght.net/ar/News/
السويد
2025

قد يعجبك ايضا