حسن العكيلي
كان شكله مختلفا عن بقية كلاب القرية فقد تميز جسمه بالضخامة والقوة اما لون شعره فكان ابيضا. زادت من جمال وجهه وجود النقطة الصفراء الدائرية التي اخذت مكانها وسط الجبين..
كان كلبا وفيا لأهله فلم يسمح للصوص ان يقتربوا من دار صاحبه مهما كان البرد شديدا او ممطرا او كبل النعاس او المرض حركته. ولا يخشى صولة الكلاب على حدود مملكته التي عاهد صاحبه الدفاع عنها فبعد استعراضات القوة الفارغة التي طالما تنتهي بالانسحاب المريع والخسائر ضل الكلب الاشرس والاقوى. من بين كلاب القرية المترامية الأطراف.
كان اهل القرية يتباهون عند زياراتهم للآخرين من اقاربهم بركوب الخيل فيضعون على ظهرها الثوب الزاهي الالوان والسرج المجلل بالأصداف والخيوط الملونة لكن سرحان كان يتباهى بأخذ الكلب معه في زياراته القصيرة والسريعة. فعندما يدخل بيتا من بيوت احد اقاربه يبقى الكلب ينتظر خارجا. حتى انتهاء زيارة صاحبه فيستقبله بحركات اعتاد عليها كهزه لذيله والانبطاح على الارض والتقلب يمينا وشمالا وعندما يهم صاحبه بالمسير تراه يسير امامه تارة واخرى خلفه كحارس شخصي اثبت ولاءه المطلق لسيده – لا يتوانى في بذل روحه قربانا من اجل الدفاع عمن اطعمه وأواه ودلله .
من غرائب تلك القرية العجيبة وجود نفر من رجالات القرية اعتادوا على امتهان السرقة كمصدر عيش لهم ولعوائلهم فهم معروفون بأسمائهم وعناوين سكنهم .فلن يمر اسبوع الا وتعرض احد ابناء تلك القرية الى سرقة مواشيه او بندقيته او ما اذخره من الأموال. فسماع خبر سرقة احدى البيوتات امر عادي جدا ولا يثير انتباه احد فالسارق معروف ومشخص من قبل الاهالي والمسروق كذلك.
لكن لكثرة السرقات اتفق اهل القرية ان يتوزعوا على شكل مجاميع يتناوبون فيما بينهم لحراسة البيوت ليلا.. ومع ذلك فقد نجح اللصوص بتحدي الحراس وسرقة مايريدون. وبعد الفشل الذريع الذي لحق بمشروعهم اتفق الفلاحون في ما بينهم الى مراجعة خططهم الدفاعية وبعد شد وجذب قرروا وبالإجماع الغاء مشروع الحراسة الجماعية وعودة الامور الى ما كانت عليه.
الامر الذي شجع اللصوص على ان يتمادوا في غيهم ويفعلوا ما يشاؤون بعد انحلال والغاء العقد المبرم في ما بينهم.. حينها لم يسلم بيت الا ونالته ايادي اؤلئك المارقين ماعدا بيت سرحان الذي ضل مهابا وقلعة حصينة لم يتمكنوا من اجتياحها وتدنيس اسوارها المنيعة..
في ليلة من ليالي الشتاء الباردة تعرض والد سرحان الذي يسكن مع ولده البكر في بغداد الى جلطة الزمته الفراش فقرر ان يستاجر سيارة ويأتي ليأخذ اخيه لرؤية والده قبل وفاته.
كانت زيارة سريعة ومستعجلة فلم يجلس سوى دقائق معدودة استغلها سرحان ليرتدي ثوبه وحذاءه- وبعد ان انتهى من كل شي اوصى زوجته بضرورة الاهتمام بأبنائها الذين لازالوا صغارا وكذا الانتباه الى بيتها وما يحتويه.
خرج مسرعا خلف اخيه حيث السيارة التي تنتظرهم خارجا فلمحه كلبه وراح يركض وراء السيارة المستعجلة وكأنه يود معرفة سر خروج صاحبه بهذه العجالة من البيت
في صبيحة اليوم التالي انتشر خبر خروج سرحان المفاجئ من بيته بين لصوص القرية – فاتفق كبير اللصوص مع اثنين من جماعته على وضع خطة لسرقة بيت سرحان ولعدم وجوده في بيته وجدوها فرصة سانحة وسهلة لأخذ ما يريدون وهيئوا لهذه العملية كل المستلزمات التي تسهم بإنجاحها – واختاروا الوقت المناسب لها وهو قبل صلاة الفجر بساعة.
نامت زوجة سرحان ليلتها بعين مفتوحة وعين مغلقة كما تفعل الثعالب الى جانب اطفالها – ومسدس زوجها لا يفارق يدها- بينما راح قطيع اغنامها يغط في نوم عميق في حضيرته وبعد منتصف الليل فزت الزوجة مرعوبة على صدى صوت نباح كلبها الذي ضل يدافع بشراسة عن بيت صاحبة.
فتحول الى وحش ضاري يفترس كل شي امامه وبعد ان يئسوا من التخلص منه قرروا ضربه بأعقاب البنادق لكنهم لم يتمكنوا منه فهاجمهم بأنيابه الحادة وترك في اجسادهم الجراحات والدماء النازفة حاولوا الهروب لكنه حاصرهم بين حائط البيت الامامي ومخزن القش فراح ينهش بأجسادهم وعندما تمكن منهم قرروا التخلص منه وعلى الفور ونتيجة الرعب الذي تمكن منهم اطلقوا الرصاص عليه وبشكل عشوائي فتوزع الرصاص الى الاعلى وباتجاهه بغية إخافته . لكن الكلب انسحب الى الخلف ليعيد الهجوم عليهم مرة اخرى –
انتبهت زوجة سرحان على دوي صوت الرصاص فسحبت مسدس زوجها من تحت وسادتها. وراحت تطلق الرصاص على مكان تواجد اللصوص ففروا مذعورين واندسوا وسط الظلام الدامس مخافة القتل والخزي الذي سيلحق بهم بعد فشلهم في تنفيذ عملية سطو كانوا يعتقدون انها من أسهل العمليات- وعلى يد امرأة لا تخشى صوت الرصاص. مرت لحظات حتى سمعت اصوات عدد من جيرانها وقد حضروا لتهنئتها على شجاعتها وما فعلته باؤلئك اللصوص الذين تلقوا صفعة قوية. من يد امراة شجاعة
بعد ان عاد سرحان من رحلته التي استمرت اسبوع. نزل على بعد أمتار من بيته وعلامات الحزن واضحة على محياه. لأنه لم يحضى بتوديع والده وهو على قيد الحياة.. وبينما راح يحث الخطى صوب هدفه رمقه كلبه الوفي فبادر بالركض نحو صاحبه لاستقباله وبخطوات عرجاء غير مسيطر عليها وبقعة الدم اليابسة تغطي أجزاء واسعة من فخذه الايمن.
عندما التقى بزوجته اخبرته بكل ما حصل لهم في غيابه. بينما ظل الكلب واقفا امام باب الدار يراوح في مكانه عين على حدود مملكته والاخرى تنظر الى يد صاحبه وكأنه ينتظر اوامره. بينما ظلت الكلاب الغريبة تنبح بعيدة عنه – خوفا من سطوته التي لا تقهر.