ألف باء السياسة.. الأمية السياسية تعصف ببلدٍ علّم البشرية السياسة

محمد قفطان

لم يكد يُعلن عن لقاء جمع السيد نوري المالكي والسيد محمد الحلبوسي حتى ارتفعت موجة واسعة من الاستنكار الشعبي، رغم أن اللقاء لم يكن الأول من نوعه، ولن يكون الأخير في سياق الحياة السياسية العراقية، غير أن ردود الفعل المفاجئة كشفت مرة أخرى أن جزءاً كبيراً من الرأي العام ما زال يتعامل مع السياسة بوصفها انقساماً حاداً بين أبيض وأسود، وخيانة وولاء، دون إدراك لطبيعة التعقيد الذي يحكم المشهد السياسي.

تُظهر ردود الفعل الشعبية تجاه أي لقاء سياسي بين أطراف مختلفة في العراق حجم الهوة بين المشهد السياسي وفهم الجمهور له، فغالبًا ما تنطلق موجات واسعة من الاستنكار، لا بناءً على تحليل للمعطيات أو قراءة طبيعة الحوار، بل نتيجة انفعال عاطفي يقوم على التصورات المسبقة لا على المعرفة السياسية.

تُعدّ هذه الظاهرة انعكاسًا لما يمكن تسميته بـ الأمية السياسية، وهي حالة من الجهل العام بطبيعة العمل السياسي ومفاهيمه، وآلياته، وحدود أدوار المناصب المختلفة، كثير من المواطنين لا يميّزون بين التحالف والتفاهم المؤقت، ولا بين المسار الدستوري والمسار العرفي، ولا يدركون الفرق بين المناصب التنفيذية والتشريعية، وبين المواقع السيادية والمحلية.

يترتب على ذلك أن يغدو المشهد العام مرتهنًا لردود فعل متسرعة، تُبنى على الانطباع والصورة، لا على المعرفة والفهم، فكل تقارب سياسي يُفسَّر بوصفه تنازلًا أو خيانة، وكل حوار يُقرأ بوصفه اصطفافًا جديدًا، مع أن طبيعة الأنظمة السياسية الحديثة تقوم على التفاوض المستمر لإدارة المصالح وتوازن القوى، حتى بين الأطراف المتنافسة.

المشكلة لا تتوقف عند حدود قراءة حدثٍ بعينه، بل تمتد إلى بنية المزاج العام، فغياب الثقافة السياسية ينتج رأيًا عامًا سريع الاشتعال، بطيء الفهم، قليل القدرة على التمييز بين الواقع والمبالغة، وهذا ما يجعل أي خطوة سياسية تواجه صخبًا مؤقتًا، يتراجع لاحقًا بمجرد تغيّر المشهد، لغياب المرتكز المعرفي الذي يحصّن الرأي من التقلب.

ويزداد الأمر تعقيدًا حين يترافق هذا الاضطراب مع نقص الوعي المؤسسي، فالكثيرون لا يدركون طبيعة توزيع الصلاحيات بين السلطات الثلاث، ولا دور المحكمة الاتحادية، ولا آليات تشكيل الحكومة، ولا معنى التمثيل داخل النظام البرلماني، وكل ذلك يجعل النقاش السياسي العام أقرب إلى الانفعال منه إلى التحليل.

إن الأمية السياسية هنا ليست مجرد جهل بالمعلومات، بل غياب للوعي المدني الضروري لأي حياة ديمقراطية، فالمجتمع الذي لا يعرف حدود سلطاته ولا أدوات محاسبته، يصبح عرضة للتضليل والدعاية، ويتحول من قوة رقابية إلى طرف منفعِل يسهم، من حيث لا يدري، في إضعاف مؤسسات الدولة.

وعليه، فإن أي إصلاح سياسي حقيقي لا يمكن أن يكتمل دون إصلاح ثقافي معرفي موازٍ، يقوم على نشر الوعي بأبجديات العمل السياسي، وطبيعة الدولة، وآليات اتخاذ القرار، ومعنى المصلحة العامة.

قد يعجبك ايضا