بقلم : د ابراهيم احمد سمو
إنّ الأمم المتحدة أخطأت حين جعلت للتسامح يومًا دوليًا، فهذه المسألة ليست قرارًا بشريًا ولا مناسبة تُحتفل، بل شأنٌ عميق بين العبد وربّه. فالمسامح الحقيقي هو الله، الرحيم القادر على الصفح، أمّا العبد الفقير فطاقة قلبه محدودة، وجرحه أكبر من أن يُختزل في يوم رمزي. التسامح قيمة إلهية قبل أن يكون دعوة إنسانية أو إجراءً عالميًا
يأتي اليوم الدولي للتسامح، الذي اعتمدته الأمم المتحدة في السادس عشر من نوفمبر من كل عام، ليذكّر العالم بأهمية العيش المشترك، واحترام الاختلاف، ونبذ العنف والكراهية. وقد بدا للبعض أنّ الأمم المتحدة وُفِّقت في اختيار هذا اليوم، لما يحمله من رمزية إنسانية، ولما يعكسه من حاجة ملحّة في هذا العصر المتوتر. غير أنّ هذا المبدأ، على سموّه، يثير لدى الكثيرين أسئلة عميقة تتعلق بحدود التسامح، وبقدرة الإنسان على ممارسته مقارنة بالمعنى الإلهي الكامل له.
إنّ الله، سبحانه وتعالى، هو الرحمن الرحيم، المسامح الغفور الذي لا يحدّ رحمته حدّ، ولا يقف عفوه عند سقف. إنّه الخالق العظيم الذي يعلم ضعف عباده، ويعرف حاجتهم إلى المغفرة، وهو وحده القادر على الصفح الكامل. أما الإنسان، فيظل محدودًا بقدراته، محكومًا بمشاعره وتجربته وآلامه. فالعبد الفقير قد يواجه الجوع، والحرمان، والضيق النفسي، والسجن، والظلم، ثم يُطلب منه أن يسامح كأنّه يملك ما يملكه الله من قدرة واتساع. هنا يظهر الفرق الكبير بين التسامح كقيمة إلهية مطلقة، والتسامح كواجب إنساني نسبي وصعب.
ليس التسامح، بالنسبة للإنسان، قرارًا بسيطًا يُتخذ بكبسة زر. فهناك جراح تُثقل القلب، وذكريات لا تُمحى بسهولة، وظلم يترك أثره العميق في الروح. ولذلك لا يمكن أن يُقاس الإنسان بالخالق، ولا أن يُطالَب بما يفوق طاقته. صحيح أنّ الكتب السماوية دعت إلى التسامح والعفو، لكنّها أيضًا أقرت بأن النفس البشرية ضعيفة، وأن العدل مطلوب، وأن جبر الضرر حق مشروع. فالتسامح فضيلة، لكنه ليس فرضًا في كل حالة، ولا هو واجب على من عانى ما لا يُطاق.
إنّ ما يراه الإنسان كبيرًا جدًا قد يكون عند الله صغيرًا، وما يعجز عنه العبد يقدر عليه الرب. ومن هذا المنطلق، لا يمكن لأي شخص أن يُطالب آخر بالتسامح باسم الشعارات العامة، أو تحت ضغط المجاملة الأخلاقية. فالإنسان ليس “تحت الطلب” ليُسامح متى أخطأ أحد بحقه، ولا يمكن تحويل التسامح إلى واجب اجتماعي يُفرض على المتضرر، بينما يبقى المؤذي بمنأى عن مسؤولية فعله.
قد يقول أحدهم إنّ يوم التسامح هو دعوة للسلام، وهذا صحيح. لكنه أيضًا فرصة للتذكير بأن التسامح ليس استسلامًا، بل هو خيارٌ أخلاقي عميق، لا يتحقق إلا إذا شعر الإنسان أن حقوقه مُصانة، وأن كرامته محفوظة، وأنه لا يُجبر على العفو، بل يختاره عندما يستقر في قلبه. وكم من مظلوم لا يستطيع المسامحة، ليس لأنه يحمل الحقد، بل لأنه يحمل جرحًا لم يلتئم، وألمًا لا يعرف غير الله مدى ثقله.
ومن هنا، أجد أن المسألة بالنسبة لي كبيرة جدًا، أضخم من أن تُختصر في يوم عالمي أو خطاب عاطفي. إنها مسألة بين العبد وربه، بين قدرة الإنسان وطاقته الضعيفة، وبين رحمة الله التي لا تُقاس. لذلك أوكّل أمري كلّه إلى محكمة الله العادلة، فهو القادر وحده على أن يمنح المغفرة أو يمنعها، بحسب علمه وعدله وحكمته. أما أنا، فليست لدي تلك القدرة، ولا أدّعيها.
إنّ يوم التسامح يظل مناسبة نبيلة، لكنه لا يلغي حقيقة أنّ التسامح الإنساني محدود، صعب، وأحيانًا مستحيل، في حين يبقى التسامح الإلهي رحمة لا حدّ لها، وملجأ لكل من ضاقت به الأرض بما رحبت.