التفسيرات الفلسفية لدور الانسان في التاريخ.. العهد القديم

د. عذراء علي حسين

يكاد النص التوراتي -المتداول- يصرح بدورات حيوية تاريخية محركاتها (الاثم والخطايا) وكوابحها (العقاب الرباني) الصارم. فحين كاد الطوفان يفني الناس ((بارك الله نوحا وبنيه وقال لهم اثمروا وأكثروا وأملأوا الارض)) وهو ذات المنطق الذي كان مع ذرية آدم. وكلا الموقفين يتكرران مع دورة الانام – والعقاب وتضع مصير الانسان ((في قبضة القدر)) فالإنسان مولود المرأة قليل الايام، وشبعان تعبا، يخرج كالزهر ثم ينحسم ويبرح كالظل ولا يقف اعترافا بالعجز الانساني الذي ساواه مع البهيمة. واكثر، بعد ان علقه في مقادير الرب قال له فـ((هلم انظر الى اعمال الله، فعله المرهب نحو بني آدم، متسلط بقوته على الدهر، عيناه ترقبان الامم)) لذلك وظف آساف التأريخ لتأكيد هذا التصور في قوله ((اصغ يا شعبي الى شريعتي، اميلوا آدانكم الى كلام فمي، افتح بمثل فمي، اذيع الغازا، منذ القدم التي سمعناها وعرفناها، وآباؤنا أخبرونا، لا تخفى عن .. الى الجيل الآخر، مخبرين بتسابيح الرب وقوته وعجائبه التي صنع، أقام شهادة في يعقوب ووضع شريعة في اسرائيل التي اوصى آباءنا ان يعرنوا بها أبناءهم، لكي يعلم الجيل الاخر، بنون يولدون فيقومون، ويخبرون ابناءهم، فيجعلون على الله اعتمادهم، ولا ينسون اعمال الله بل يحفظون وصاياه، ولا يكونون مثل آبائهم، جيلا زائغا وماردا، جيلا لم يثبت قلبه ولم تكن روحه امينة لله)).

اما التفسير اليهودي لحركة التاريخ فجاء خلاصة (للنصوص السياسية) المتشبثة بالتفسير (الجبري للتاريخ) بعد ان جعلت ((يهوه)) محوره وبني اسرائيل (محيطه) واورشليم منطلقه ، وفيما عدا ذلك، لا صلة له بالتأريخ. بعد ان تغافلت النصوص عن الاجوبة التي تداولها قدماء العرب في هذه الربوع التي جعلتنا نضع التفسير اليهودي في دائرته العربية، بعد ان جردناه من دوافه السياسية التي حركت اصحابه ـ خارج دائرة التأريخ – وتركتهم معلقين بين زمنين مطلقين (ماض ومستقبل) وقف العديد من الباحثين من هذه النصوص وغيرها، ليتحدثوا عن السبق التوراتي في بناء فلسفة للتاريخ في معرض غزل رجاله مع الفكر الوثني (اليوناني متناسين التراث العربي القديم.

واذا اتفقنا مع ديورانت ومؤرخي التنوير ممن عــد (التوراة) مصدرا تاريخيا، لا يخلو من لمسات فلسفية، لكنه جاء وسطا بين الفكر القديم والفكر المسيحي من جهة وبينهما وبين التفسير اليوناني –الروماني– للتأريخ من جهة أخرى لا سيما في حديثهم عن الازمنة الثلاثة في سياق (الاجيال) و(الانسان) وتسلسل الامم والجماعات منذ بدء الخليقة، وهو منهج وجدناه في هذه الربوع، وكان (برعوثا) آخر ممثليه في العراق و(مينون) في مصر وقد جاءت تقديراتهما التأريخية، اكثر نضجا من التقديرات التوراتية الساذجة عن الماضي. وبشهادة النص الانجيلي المقدس، وهو ذات المنهج الذي سنجده عند مؤرخي الاسلام ودون ان توافق ديورانت على قوله ان النصوص التوراتية قد وردت في سياقها التاريخي الصحيح او محكومة بوحدة المنطلق والهدف حكــم العلة بالمعلول كما رآها مفكرو عصر التنوير • متغافلين عن التأثير اللاحق للمسيحية والاسلام في تفسير التأريخ ، على التجربة الأوربية اللاحقة ومنظورها المستقبلي بعد ان جعل فيلون الأسكندري غاية التأريخ هي (الخلاص الابدي) تتحقق في نهاية التأريخ حيث يكون الخلاص روحيا واخلاقيا -لا سياسيا- هي بمثابة المحرك للتأريخ والجاذبة له بعد ان كانت الخطيئة في الماضي، تحث على فكرة (السقوط) وتدفع به الى الهاوية :وبذلك فلسف لنا (فيلون) حركة التأريخ على الاسس الآتية :

۱- ان الله هو المحرك الأوحد للتأريخ وظله المخيم على مجرى التاريخ العبراني الى نهاية التأريخ.
2- ان لحوادث التأريخ مغزى وحكمة ودافعا روحيا اخلاقيا لا سياسيا.
٣- ان فكرة الخطيئة هي التي تثقل وزر الانسان وتقيد حركته في الحياة وان جاءت كاشفة عن (مسؤولية الانسان) واختياره، من دون ان يقدر على التحكم بحركة التاريخ. الذي بدا امامه واحدا لا يتغير، لا ضمان فيه الا للصالحين الخالدين مع يهوه، دون سائر الناس.

أما مراحل التأريخ اليهودي فتتوزع على واقعين (مظلم طويل) لا يعكس جوهر التأريخ الحقيقي (ومضيء قصير) ادركت خلاله اليهودية حقيقة ذاتها دون ان تدعي انه مستقبلها المنشود علما ان التصورات (اليهودية) عن التاريخ وحركته لم تكتمل الا في عصور متأخرة تضافرت عليها الجهود (الرسالية) التي لم يعترف مفكرو اليهودية بها، بسبب توظيفهم المعنى الديني لأغراض سياسية محرفة، وتواطأت بسبهبا مع (الاجنبي – فارسي – يوناني ) ضد السلطة الوطنية – العربية. وان هي (فکریا) انطلقت من مدرسة الاسكندرية وقيادتها نجدل (المادي والروحي) الذي وظفه فيلون في حديثه عن الاصالة (التوراتية) – ولم يقل المشرقية – على الفكر اليوناني، لا سيما في تفسير التاريخ الذي جاء (حواريا) اكثر منه (نقاد) تحكمه التصورات الفلسفية الآتية:

أ- جعل حركة التاريخ ـ على الاطلاق من فعل الله نهو وسيلة ذلك الفعل
ب- لا يدرك المستقبل الا الله، اما الانسان فلا يعرف غير الظنون والشكوك والتخمينات التي يواجه بها المستقبل والطبيعة
ج- الرحمة، والعدالة، هما ركيزتا حكمة الله في خلقه اما الانسان فهو قاصر عن بلوغ الشوط لوحده دون ان يسقط.
د- تحدث عن (اللوغوس) الذي يحتل (المركز الوسط) بين الله والانسان الجامع لصفتي (الخلق واللاولادة) يمارس دور الوسيط بين الارض والسماء (كالكواكـب) بالجسد الى الناس وبالروح الى العلى.
هـ- فسر الوعود المستقبلية التوراتية بخيرات روحية واخلاقية لا تنطوي على طموح سياسي ما، ونظر الى فكرة الشعب المختار وارض الميعاد، بمعناهما الرمزي المعبر عن اجتماع فضائل النفس في الانسان الصالح.

قد يعجبك ايضا