سيد كريم عذاب الزاملي
في سماء الأدب العربي المعاصر، برزت أسماء قليلة استطاعت أن تخترق الحواجز الجغرافية واللغوية لتصل إلى القراء في أقصى زوايا العالم، وكانت الأديبة العُمانية (جوخة الحارثي) واحدة من تلك الأصوات المميزة، التي حملت حكايات بلادها، وأحلام نسائها، بلغة هادئة ولكن عميقة، حتى استحقت مكانة مرموقة في الأدب العربي والعالمي
ولدت جوخة في سلطنة عمان عام ١٩٧٨ ونشأت في بيئة ثقافية تُقدّر العلم والمعرفة، ودرست اللغة العربية، ثم أكملت دراساتها العليا في المملكة المتحدة، حيث نالت شهادة الدكتوراه في الأدب العربي الكلاسيكي من جامعة إدنبرة. وقد انعكس هذا العمق الأكاديمي في كتاباتها، التي تمتاز برصانة لغوية، وثراء ثقافي، وسرد غير ممل ينسج التفاصيل الصغيرة لتكوّن صورة شاملة عن الإنسان العُماني في تحوّلاته المعاصرة
عرفها القارئ العربي بدايةً من خلال مجموعاتها القصصية ورواياتها الأولى، لكن اسمها لمع عالميًا بعد روايتها الأشهر “سيدات القمر”، والتي فازت بجائزة مان بوكر الدولية عام ٢٠١٩، كأول عمل أدبي عربي ينال هذه الجائزة الرفيعة. لم يكن فوزها حدثًا أدبيًا فحسب، بل لحظة فارقة في تاريخ الأدب العُماني، إذ أظهرت للعالم أن هناك سردًا عربيًا عميقًا، نابعًا من هوية محلية، ولكنه قادر على مخاطبة الإنسان فقد تناولت الأديبة التحولات الاجتماعية التي شهدتها عُمان في القرن العشرين، من خلال عيون نسائية تبحث عن ذاتها في مجتمع يتغير باستمرار. لم تكن الرواية صرخة احتجاج فقط، بل تأملًا داخليًا، ومناجاة صامتة بين المرأة وذاتها، وبين الذاكرة والواقع. وفي أعمالها الأخرى مثل نارنجة وحارس الموتى واصلت الغوص في النفس البشرية مستكشفه ضعف و هشاشة، أحلامها، وجراحها التي لا تُرى.
جوخة ليست مجرد كاتبة رواية؛ إنها صاحبة مشروع أدبي متكامل، يجمع بين السرد والفكر، بين المحلية والانفتاح على الآخر. تكتب بلغتها الأم، لا مجاراةً للتراث، بل استحضارًا لجذوره في حاضرٍ يستحق أن يُروى بلغة صادقة. ولعل أهم ما يميزها، هو قدرتها على كتابة الصمت؛ والبنية الدائرية في أعمالها فقد منحت الشخصيات الهامشية صوتًا، وعلى التقاط اللحظات العابرة التي تبني المصير
ولأنها أديبة ومثقفة في آن، تشارك جوخة في المشهد الأكاديمي من خلال التدريس والبحث، كما تشارك في الحوارات الثقافية حول الهوية، والمرأة، والأدب العربي ما بعد الاستعمار، مما يجعلها ليست فقط كاتبة، بل مفكرة أيضًا في زمنٍ يتسابق فيه الأدب إلى الضجيج افقد اختارت أن تسير في دربٍ مغاير و تكتب بهدوء، و تصنع من السرد مرآة للروح. لذلك، لم يكن نجاحها مجرد تكريم فردي، بل تتويج لصوتٍ أدبي قادم من عُمان، ينتمي إلى الأرض، ويحاور العالم بلغة الحكاية.فقد كسرت مقوله التي تخص الادب النسوي وان النساء تقتصر أقلامهن في ميادين محددة فقد نالت المرتبة الرفيعة بفوزها الذي يعد فوزا للقلم العربي والإسلامي. أن المتغيرات و التحولات التي شهدتها سلطنة عُمان خلال القرن العشرين من مجتمع قائم على التجارة و الصيد وصناعة لؤلؤ إلى دولة حديثة تعتمد على النفط. تبرز الرواية تأثير هذه التحولات على الأفراد، خاصة النساء، وكيفية تفاعلهن مع التغيرات الاجتماعية. كذلك ان النظرة الانطباعية عن الرواية
تتميز الرواية ببنية سردية غير تقليدية، حيث تتنقل بين وجهات نظر متعددة، وتستخدم تقنيات السرد الذاتي والضمير الغائب يتداخل في السرد بين الماضي والحاضر مما يعكس تعقيدات الشخصيات وتطوراتها النفسية والاجتماعية كذلك ان السياق التاريخي والاجتماعي في تصور الرواية و التحولات التي شهدتها سلطنة عمان خلال القرن العشرين من مجتمع تقليدي قائم على تجارة والصيد البحري إلى دولة حديثة تعتمد على النفط. تبرز الرواية تأثير هذه التحولات على الأفراد، وبا التحديد العنصر النسوي وكيفية تفاعلهم مع التغيرات الاجتماعية.وفلسفة الحياة والحداثة لهذا الأسباب تميزت لغة الرواية بالشاعرية والعمق، حيث استخدمت الكاتبة أساليب سردية متنوعة، وشاكلت بين الفصحى والتعابير المحلية. اذا أن أنها أضافت طابعًا فنيا مميزا على الرواية، عكس ثراء الثقافة العمانية. لذا تأتي الأهمية الادبيه لمنجز (سيدات القمر”) كأول رواية عربية تفوز بجائزة (مان بوكر الدولية،) مما يُبرز مكانة الأدب العربي و العماني خاصة على الساحة العالمية. فقد سلطت الرواية الضوء على قضايا الهوية والتحول الاجتماعي ودور المرأة في مجتمع يشهد تغير متسارع.في فلسفة الحياة.اذ يرى بعض النقاد أنها نسجت على منوال خماسية مدن الملح .لعبد الرحمن منيف الا أن من الإنصاف القول أنها تجاوزت القطرية الضيقة إلى عالم أوسع يشمل الوطن الإسلامي كله.بما تميزت به لغة الرواية بالشاعرية والعمق، حيث تستخدم الكاتبة أساليب سرد متنوعة، وتدمج بين الثقافات المحلية. فقد اعطت هذه الأساليب طابعًا مميزًا على الرواية، وتعكس ثراء الثقافة العمانية.ومن الجدير قوله:
في هذا الصدد توجد بعض المشتركات والاختلافات لرواية سيدات القمرلـ مع رواية “مدن الملح”
، لأن كلًّا منهما يوثّق تحولات المجتمع الخليجي، لكن من زوايا مختلفة. ومن ممكن ايجاد موازنة أدبية موضوعية بين العملين من ناحية.كونهما ينتميان إلى بيئة الخليج العربي و سياق التاريخي واحد في
رصد التحولات الاجتماعية والثقافية في سلطنة عمان خلال القرن العشرين، خاصة ما قبل وما بعد اكتشاف النفط، مع التركيز على الرواية العمانية على المرأة كمركز للتغيير.اما رواية مدن الملح فانها
تسجّل التحول الجذري الذي طرأ على المجتمعات البدوية في الخليج العربي بسبب اكتشاف النفط، من خلال خمس روايات تشكل ملحمة سردية عن الانفصال الجذري بين الماضي البدوي التقليدي والحاضر المادي النفعي.ولهذا فان الموازنة لكلا العملين الادبيين يسلط الضوء على تأثير النفط كمحفّز للتغيير الاجتماعي والسياسي، لكن جوخة الحارثي تقدّم صورة داخلية ووجدانية ناعمة، بينما منيف يعتمد على رؤية بنيوية نقدية واسعة تركز على آليات السلطة والثروة. اما با النسبة الى البناء الفني والسردي فان الرواية العمانية.سيدات القمر فانها تتأطر كونها رواية ذات بنية سردية متقطعة، تعتمد على الأصوات المتعددة، خاصة الصوت النسائي. السرد غير خطي، ينتقل بين الماضي والحاضر، ويهتم بالتفاصيل النفسية والعاطفية.بينما مدن الملح ملحمة سردية كبرى، تمتد عبر مجلدات خمس تعتمد على السرد الكلاسيكي المكثّف، وتستخدم الحكاية كمستودع للرموز السياسية والاجتماعية.وهذه الموازنه تركز حقيقة أن الكاتبة العمانية جوخة أقرب إلى السرد الحديث النفسي/النسوي، بينما منيف أقرب إلى الواقعية النقدية، ويكتب كمن يُؤرخ للأمة لا للفرد.
أما للوجود النسوي بين الروايتين.فان حضور المرأة في رواية سيدات القمر يستند على تركيز المرأة كونها المحرك و المحور الرئيسي للرواية، بكل أبعادها وتناقضاتها، ككائن يُراقب ويتأثر ويقاوم في مجتمع تقليدي. بينما نجد عكس ذلك في مدن الملح حضور المرأة هامشي إلى حد كبير، وغالبًا ما تظهر كرمز أو وظيفة سردية ضمن عالم يهيمن عليه الرجال والسلطة. بل حتى يتجنب ذكرها حتى في مجالس الا بما يتاطر الحديث عن الدفاع عنها وهذا الانجدة عند الكاتبه جوخة فإنها تكتب من داخل التجربة النسائية، أما منيف فيكتب عن تجربة المجتمع الكلي من زاوية بنيوية ذكورية.محضة ولهذا نجد الاختلاف في اللغة والأسلوب. فإن الأديبة العمانية جوخة الحارثي تميز نتاجها بشكل عام في أن لغتها شاعرية، هادئة، تنحو إلى التأمل، وتُعنى بالبعد الثقافي والإنساني، وتدمج بين اللغة الأدبية والواقعية.وهذا عكس تماما للكاتب عبد الرحمن منيف فإن لغته لغة مباشرة، نقدية، تميل إلى الصلابة والتكثيف، وتُستخدم كأداة لفلسفة الواقع الجديد في مجتمع .تنموا وتتصارع فية فلسفتان لاتبرحان في صراع إلى اليوم. الاولى المحافظة .وتنحو نحو تحفظ. والثانية.الى الاسراع نحو تجدد بدون مثبتات وهذا مما يوقع إلى تفكيك البنية الاجتماعية.بل وربما إلى الصعود والمطالبة إلى حد التصادم مع الواقع سياسي.كما نلاحظ أن السرد واسلوب الكاتبه جوخة أقرب إلى الرمزية الهادئة، بينما منيف يستخدم لغة الصراع والمواجهة. ومن هذه الموازنة الانطباعية
يمكن أن تؤسس إلى بعض الحقائق الأدبية للمقارنة بين رواية “سيدات القمر” لجوخة الحارثي ورواية “مدن الملح” لعبد الرحمن منيف بصيغة موضوعية في الحكم فنقول إن
رواية “سيدات القمر” تُصوّر تحوّلات المجتمع العُماني من الداخل، من خلال عدسة نسائية حسّاسة تركز على التجربة الفردية للمرأة في ظل التغيرات الاجتماعية التي صاحبت التحديث واكتشاف النفط. الكاتبة جوخة الحارثي تنحاز إلى التفاصيل اليومية، والمشاعر، والصمت، وتنسج نصًا شاعريًا يتأمل التاريخ دون أن يواجهه مباشرة، بل عبر الحكايات الصغيرة التي تشكّل نسيجًا دقيقًا للهوية العُمانية النسوية.
أما “مدن الملح”، فهي عمل ضخم يمثّل ملحمة نقدية عن الخليج العربي في مواجهة النفط والسلطة. يركّز عبد الرحمن منيف على انهيار البنى الاجتماعية التقليدية، ويكتب بعين ناقدة على اتساع الرؤية، مُظهراً كيف غيّر النفط جوهر الإنسان والمكان. الرواية ليست عن فرد، بل عن مجتمع بأكمله يُعاد تشكيله قسرًا، وتُقدَّم من خلال أسلوب مباشر، قوي، ومشحون بالتحليل السياسي والاجتماعي الا أن الفرق الجوهري بين العملين يكمن في زاوية الرؤية وأدوات السرد: جوخة الحارثي تكتب من الداخل، عبر تجربة المرأة والوعي الشخصي، بينما منيف يكتب من الخارج، عبر تفكيك البنية الاجتماعية والسياسية. جوخة تُعلي من شأن الصمت والذاكرة، ومنيف يُحاكم التاريخ والسلطة. كلاهما يسرد التحول، لكن بلغة وهدف وسياق مختلف. ويمكن با المجمل أن نلخص الفائدة المستوحاة مما قدمته روايتا سيدات القمر ومدن الملح للقارىء العربي أنهما إسهامين متكاملين في فهم تحوّلات المجتمع العربي والخليجي، كلٌ من زاويته الخاصة.
فقد أسهمت جوخة الحارثي من خلال سيدات القمرفي إبراز الصوت النسائي العربي بشكل إنساني وعميق، كاشفة عن التحديات التي تواجه المرأة في مجتمعات تتحرك ببطء نحو التغيير. وبهذا منحت القارئ العربي والعالمي نافذةً فريدة على التجربة النسائية الخليجية، فأسهمت في توسيع دائرة التمثيل الأدبي للمرأة، وأظهرت أن الادب المحلي قادر على ملامسة العالمية أما عبد الرحمن منيف، فطرح من خلال مدن الملحخطابًا نقديًا عميقًا يُحلل العلاقة بين السلطة، والمال، والتاريخ، مقدّماً للأدب العربي نموذجًا لرواية تحليلية واسعة النطاق، ترصد جذور التحولات وتُحذّر من آثارها. وبذلك ساهم في توعية القارئ العربي بمآلات الحداثة المفروضة والمفرطة، ودفعه للتأمل في كيفية بناء مجتمعات أكثر عدلاً ووعيًا.
كلا الروايتين، رغم اختلاف الأسلوب والطرح، شكّلتا منصتين لتأريخ الصراع بين الأصالة والتغيير، بين الإنسان وظروفه، وأسهمتا في إعادة تشكيل الوعي الثقافي والاجتماعي العربي من خلال قوة التلقي عند الإنسان الخليجي والعربي ومن الجدير ذكره أيضا ان الفائدة التي قدمتها رواية الكاتبة العمانية سيدات القمر أبرزت صوتًا نسائيًا جديدًا في الأدب العربي، نقلت من خلاله جوخة الحارثي معاناة المرأة وتحوّلات المجتمع العُماني بهدوء وتأمل، مما فتح آفاقًا لفهم أعمق للتجربة النسائية في الخليج. أما “مدن الملح” لعبد الرحمن منيف، فقد كشفت بجرأة تحولات المجتمع الخليجي بسبب النفط، ونبّهت إلى مخاطر التغيير المفاجئ على الهوية والقيم. وأسهمت الروايتان معًا في توسيع وعي القارئ العربي بقضايا الإنسان، والسلطة، والهوية، من زوايا مختلفة ومتكاملة. والى قلم اخر من اقلام أمتنا العربية والإسلامية المجيدة .كتب في فضاء الحرية والتجدد.