إبتهال عبد الوهاب
اليوم لن أكتب عن نفسي… بل عنكم.
عنكم أنتم، الذين جعلتم من هذه الصفحة أكثر من فضاء إلكتروني، وجعلتم من الكلمات أكثر من حروف عابرة.
أكتب عن حضوركم الذي يتقدم نحوي كضوء يتفتح في آخر النفق، وعن تلك الدفعة الإنسانية الدافئة التي تمنحها لي قلوب لا أعرف وجوهها، لكنني أعرف أثرها تمام المعرفة
أكتب عنكم لأنكم كنتم وما زلتم الشركاء الحقيقيين في هذه الرحلة؛
أنتم الذين منحتم للنص صوته الثاني، وللفكرة جناحها، وللحضور معناه لقد جمعتنا الإنسانية قبل الكلمة وجمعنا حب الحياة الذي يجعلنا نتمسّك بما هو أبعد من العيش العابر
وجمعنا الشغف بالحرية؛ حرية الفكر، وحرية الروح، وحرية أن يكون لكل منا صوته الخاص بلا خوف
وجمعنا الفن؛
ذلك الخيط الخفي الذي يربط بين الأرواح المتباعدة
وجمعنا قبل كل شيء احترام الآخر المختلف؛
ذلك الاحترام الذي يجعل الحوار ممكنا، والتعايش نبيلا والاختلاف ثراء لا خصومة
هذه القيم لم أكتبها يوما كعناوين…
بل وجدتها تتجسد فيكم، في حضوركم، في ذوقكم، في ردودكم الهادئة العميقة،
فأدركت أنّ ما يجمعنا ليس الصفحة، ولا النص، ولا اللغة نفسها،
بل مشروع إنساني صغير نقيمه معا دون أن نتفاهم عليه،
مشروع ينحاز للوعي، وللجمال، وللحرية، وللإنسان كما يجب أن يكون.
كل تعليق تركتموه كان كأنه لمسة لطف على كتف الكلمة، وكل قراءة كانت خلقا جديدا للمعنى، وكل تفاعل كان إعلانا بأن الروح لا تقيدها المسافات، وأن الفكر يجد أهله ولو تباعدت الجغرافيا.
ولأنكم أصبحتم جزءا من يومي، أجدني ممتنة لكل دقيقة منحتموها لنص كتبته، ولكل كلمة صادقة منحتوني إياها، ولكل ضوء أضفتموه إلى هذا المكان الصغير الذي صار أكثر اتساعا بكم
ولكم أعتذر إن تأخرت أحيانًا في الوصول إلى صفحاتكم،
وإن لم أكتب ما يليق بتقديري لكم في كل مرة،
فالكلمات مهما اتسعت تضيق حين أحاول أن أقول بها ما تستحقونه . أعتذر أحيانا عن عدم قدرتي على متابعة صفحاتكم بما يليق بكم،. فذلك لأن الزمن كثيرا ما يعبرنا بسرعة لا تمنحنا فرصة الإنصات الكامل، وليس لأن محبتكم في قلبي أقل مما تستحقون.
أما فيسبوك، ذلك الجسر الذي كثيرا ما نلومه، فأجدني اليوم أشكره؛
لأنه كان نافذة أطل منها على عقول راقية، وقلوب نبيلة، ووعي يشبه النجوم التي تهدي ولا تنتظر شيئا
لفيسبوك هذا الفضاء الذي نظنه افتراضيا فضل لا ينكر؛
فقد جمعني بعقول لو سلكت ألف طريق لما التقيت بها، وبأرواح تشبه الضوء: لا ترى، لكنها تهدي فيا أصدقاء النص، يا رفاق الفكرة،
يا متابعيّ الذين صاروا شركاء في المعنى…
يا خمسة وعشرون ألف نافذة تطل منها روحي على العالم…
لولاكم لظلت كتاباتي أحاديث صامتة،
ولولا حضوركم لما اكتشفت أن الكلمة حين تجد قارئا صادقا تتحول إلى كائن حي يتنفس
فلكم امتنان لا يترجم،
ومحبة لا تختصر وفرح عميق بأن هذا المكان اصبح أجمل لأنكم فيه لكم هذا الفرح الذي لا يشبه إلا حضوركم، وللكلمة بيننا أن تظل جسرا لا يسقط، ونورا لا ينطفئ.
وهكذا… لا تنتهي الحكاية عند رقمٍ يزداد، ولا عند عدّادٍ يعلن بلوغ خمسةٍ وعشرين ألف روح، بل تبدأ من جديد.
فالأرقام، مهما علت، تظلّ صامتة… لكن الأرواح التي تقف خلفها هي التي تمنحها نبضا ومعنى.
ومادام في هذه الصفحة من يقرأ بضمير، ويتأمل بعمق، ويختلف بنبل، ويشارك بمحبة،
فإنها لن تكون «صفحة» بعد اليوم،.. بل فضاء يتخلق فيه وعي جديد،
وموطن صغير للعقول التي تبحث عن ضوء في زحام الظلال .فلتبق هذه الصفحة بيتا يتسع لنا جميعا ولتبقى الكلمة بيننا وعدا بأن نرفع الوعي لا الضجيج، ونختار المعنى لا الشهرة،
ونغرس الرحمة في قلب كل اختلاف وشكرا لكم.