أصواتٌ تكشف الوجوه… ودروسٌ لا تنتهي من صندوقٍ صغير

د. ابراهيم احمد سمو

في نهاية كل سباق انتخابي، تظهر حقيقتان لا ثالث لهما: من فاز قال كلمة قصيرة بسيطة: “شكراً… لقد فزنا”، ومن خسر قال بدوره: “لقد فزنا أيضاً، بعيداً عن الإعلام، وبعيداً عن أي انتماء.” تلك العبارة التي قد تبدو للوهلة الأولى تناقضاً، لكنها في أعماقها تعكس إدراكاً مختلفاً للمعنى. فمن يخسر أحياناً يكسب احترامه لذاته، ويكسب درساً أعمق من فوزٍ مؤقت، ويكسب معرفة لا تقدّر بثمن.

فالترشيح حقّ من حقوق كل حزب، وواجبٌ يتقدم به من يرى في نفسه القدرة على خدمة الناس. والجميع عمل بجهده، كلٌّ على طريقته، ليقترب من تحقيق ما كان يبدو مستحيلاً. لكن الانتخابات تكشف ما وراء الوجوه، وتكشف من كان جاهزاً فعلاً، ومن دخل السباق متكئاً على الحظ، لا على الكفاءة.

ومن هنا تبدأ العبرة التي يجب أن يتعلّمها كل مرشح: أن يقف مع نفسه وقفة صدق قبل أن يقف أمام الناس، ويسأل روحه بصراحة لا مجاملة فيها:
“هل أستحق فعلاً هذا المكان؟ وهل أنا مؤهل لخدمته، أم أنني أفكر فقط بما سأجنيه؟”

فكل من يجعل المال أول تفكيره، يخسر قبل أن تبدأ اللعبة. المواقع العامة لا تُبنى على الطمع، ولا على انتظار العائد، بل على التضحية والقدرة على حمل المسؤولية. لذلك ينبغي أن يكون التفكير في المال آخر خانة في حسابات المرشح، لا أولها.

ولكي نفهم هذه الفكرة بوضوح، تخيّل طالباً يتقدّم لامتحان مهم، ولديه معدل سنوي ثابت، لنسمّه “السعي السنوي”. الطالب الذي يملك 80 درجة مثلاً، يحتاج فقط إلى 20 كي يجتاز الامتحان، فيدخل بثقة وهدوء لأنه يعرف مقدار جهده الحقيقي. أما الطالب الذي لا يملك إلا القليل، ويريد من الامتحان أن يعالج ما فاته خلال العام، فهو يدخل متوتراً، قلقاً، لأنه يطارد ما لا يمكن تعويضه في لحظة.

ومثل الطالب تماماً، يدخل المرشح السباق الانتخابي.
من كان يمتلك “سعيه السنوي”—أي رصيده الحقيقي من العلاقات الطيبة، والخدمة العامة، واحترام الناس، وسمعته الطيبة—لن يخشى الامتحان.
فهو يعرف أن النتيجة امتداد طبيعي لسنوات من العمل، لا مفاجأة صنعها إعلان أو اجتماع عابر.

أما من يستيقظ قبل الانتخابات بشهور قليلة، ليبحث عن دعمٍ سريع، أو مالٍ متفرق، أو أصواتٍ تُشترى بالتقرب اللحظي—فهو كطالبٍ يريد أن يصنع عاماً كاملاً من الجهد في ساعة واحدة. وهذا لا يحدث في عالم السياسة، ولا في عالم الحياة.

والمرشح الذي يستحق فعلاً أن يحمل ثقة الناس هو الذي يمتلك عناصر القوة الحقيقية:
من لديه سعي سنوي متراكم عبر سنوات،
ومن لديه الاستعداد للتضحية قبل أن يفكر فيما يناله،
ومن يملك مالاً شريفاً لا يشتري به الذمم بل يفتح به أبواب العون،
ومن يقف خلفه أهل سخاء وأهل خير، ممّن يعرفون قيمة الخبز الذي كُسر بينه وبينهم،
ومن تحيط به عائلة وأقارب يحبونه لما قدّمه لا لما يقدّمه،
ومن شارك الناس أفراحهم وأحزانهم، وكان حاضراً في مناسباتهم لا زائراً موسمياً للبحث عن أصوات.

المرشح الحقيقي معروف قبل الانتخابات، لا يُصنع خلالها.
اسمه محفور في ذاكرة الناس، لا يظهر فجأة في لافتة أو منشور.
ووقوف الناس معه ليس صدفة، بل نتيجة تاريخٍ طويل من العطاء.

إن الانتخابات ليست صراعاً على كرسي، بل امتحان للنفوس قبل الصناديق.
والفائز الحقيقي ليس من يدخل المجلس فقط، بل من يعرف قيمته الحقيقية حين ينظر في المرآة بعد انتهاء الضجيج.
ومن يخسر اليوم… قد يكون هو من يفوز غداً إذا تعلم الدرس، وأعاد بناء “سعيه السنوي” من جديد، بالأمانة، والصدق، وخدمة الناس قبل كل شيء.

وفي النهاية، لا أحد يخرج من الانتخابات بلا مكسب:
الفائز يأخذ موقعه،
وغير الفائز يأخذ تجربته،
والناس تأخذ الحقيقة.
وهذه وحدها… كافية لتكون بداية جديدة.

قد يعجبك ايضا