محمد علي محيي الدين
في مدينة القاسم، حيث يختلط التاريخ بأريج الأرض، وحيث تنبت الكلمات كما تنبت الحنطة في مواسم الصبر، وُلد الشاعر ناصر حسين عبيس الجوذري، المعروف في الوسط الثقافي باسم ناصر أبو الورد، في الثامن والعشرين من تشرين الأول سنة 1975. لم يكن اسمه مجرّد قيدٍ في سجلّ المواليد، بل كان نبوءةً ناعمة لطفل سيحمل القصيدة على كتفه، كأنه يرفع جراح جيل كامل، ويصوغ من الرماد موسيقى لا تُنسى.
نشأ ناصر في كنف المدينة الطافحة بالتناقضات: الفقر والحلم، البساطة والأسى، الحب والمحنة. أتم دراسته الثانوية فيها، والتحق بكلية التربية – جامعة بابل، ليجمع بين دفتي العِلْم والشعر، مزاوجًا بين اللغة كأداة، وبين الإحساس كروح.
ولأن بعض الأرواح لا تهدأ حتى تجد خلاصها في الحرف، كانت القصيدةُ عنده أكثر من بوح؛ كانت خندقًا وأُنسًا، صرخةً ووَجْدًا، لذا كتبها بشغف المحترق، لا ببرود المتقن. منذ أن خطّ قصائده الأولى، عُرف بصدقٍ لغويٍّ لا يتزيّن، وجرأةٍ رؤيوية لا تستجدي التجميل. فهو من أولئك الذين يكتبون لأنهم لا يعرفون طريقة أخرى للنجاة.
أصدر أبو الورد ثلاث مجموعات شعرية حتى الآن، شكّلت بمجموعها خريطةً لرحلة داخل الذات والمجتمع والتاريخ:
“الحياة برمية نرد”، وهي مجموعة تشبه مقامرًا لا يملك من هذه الدنيا سوى قلبه، يرمي به في المجهول، ليكتب من حظه الشقي شعرًا مبللًا بالأسئلة.
“نصف لوحة لوجع كامل”، عنوانٌ فذّ، يتقصّد الإرباك، كأنّ الشاعر لا يمنحك الصورة كاملة، بل يترك النصف الآخر لك، لقلبك، لذاكرتك، كي تتواطأ معه في إعادة رسم الوجع.
“شبر من عالم محذوف”، وهي المجموعة التي كرّست اسمه شاعرًا يُجيد لعبة الانزياح والرمز، شاعرًا لا يتكلم من أعلى المنبر بل من قاع التجربة، من زوايا الحارات المعتمة، ومن ثقوب الجدران التي تحتفظ بأسرار العابرين.
وفي الطريق إلى النشر، تنتظر مجموعته الجديدة “مشيمة الحصى” أن ترى النور، وهو عنوان لا يشي إلّا بشاعر يكتب من رحم الألم، فيجمع بين قسوة المعنى ودقة التكوين.

لم يكن ناصر أبو الورد شاعرًا وحسب، بل كان معلّمًا أيضًا، وفي قلبه خندقٌ للأطفال، وفضاءٌ للأحرف الأولى. كتب كراسةً بعنوان “قراءتي جنة الحروف”، مساعدًا بها أطفال الصفوف الأولية على أن يجدوا في اللغة وطنًا صغيرًا. هذا التوازن بين رقة الشاعر وصرامة المعلّم جعله شخصيةً محبوبة في الوسطين التربوي والأدبي.
كما كتب بحثًا أكاديميًا عن “الانزياح البياني في ديوان خارج الوقت داخل الحواس” للشاعر عمار الصلف، فجمع بين ذوق الشاعر ومنهجية الباحث، وأصبح صوته حاضرًا في قاعات الجامعات، وفي رسائل الدراسات العليا التي تناولت تجربته، ومنها دراسة ماجستير في جامعة بابل عن “التناص القرآني في شعر مجموعة من شعراء بابل”، كان ناصر أحد أبرز نماذجها.
الجوائز التي حصدها لم تكن غاية بل نتيجة حتمية لحرفٍ صادق. حاز الجائزة الأولى في اتحاد أدباء بابل سنة 2007، والثالثة في مسابقة العالم سبيط النيلي 2009، والسابعة في مسابقة بردة كربلاء الدولية سنة 2017، والثانية في مسابقة نقابة المعلمين 2020، والأولى في مسابقة شاعر المعلمين سنة 2022. جميعها محطات تُنصت لشاعر يمضي على عتبة الحرف لا يبحث عن التتويج، بل عن التكميل.
وقد شارك في مهرجانات كبرى، منها مهرجان الجواهري في دورته التي حملت اسم الشاعرة لميعة عباس عمارة، ومهرجان المربد (35) الذي احتفى بالشاعر أحمد مطر، ليؤكد حضوره بوصفه صوتًا شعريًا ينتمي إلى عراق الحبر الملتاع، لا إلى صخبه الاستعراضي.
قصائده وجدت طريقها إلى كبريات الصحف والمجلات العراقية والعربية، من الزمان وطريق الشعب والجنائن والصباح، إلى الشرارة والسنبلة ولارسا، وكأنها تشبهه: تمضي من دون ضجيج، لكنها تبقى في الذاكرة.
أما النقّاد، فقد رأوا في ناصر شاعرًا يسير على الحدّ الفاصل بين الواقعية المريرة والرمزية الخافتة. قال عنه أحد النقاد في قراءة لأعماله: “إنه شاعر يقبض على جمرة الواقع بيدٍ، ويحلم باليد الأخرى”، بينما وصفه آخر بأنه “يمارس الانزياح لا ليبهرك، بل ليهرب من الحقيقة حين تؤلمه”، وهناك من رأى فيه ناطقًا باسم المهمّشين بصوت لا يُعلي نفسه على وجعهم.
بعض النقاد أشاروا إلى تأثره بالمدرسة الحداثية، لكنه ظلّ وفيًّا لصوته الخاص، فلم يكن تابعًا، بل مجايلًا للتيار بوعي، يكتب قصيدة النثر بعمق إيقاعي خفي، يستبدل الوزن الصريح بتوازن داخلي متين.
في زمن ازدحم بالشعراء وتراجع فيه الشعر، ظل ناصر أبو الورد يكتب لأن القصيدة عنده ليست ترفًا بل ضرورة، وهي ليست حيلة بل خلاص. لم تفسده الجوائز، ولم تغوهِ المسارح، وظلّ كما عرفه أصدقاؤه: رجلًا يشبه دفترًا معتّقًا برائحة الحبر، وكلمة تمشي على قدمين.
هو ناصر أبو الورد… شاعر بحجم وجعٍ نقيّ، ومعلّم يمسح على رأس الحروف، ويعلّمها كيف تُصبح وطنًا لمن لا وطن له.