محمد علي محيي الدين
وُلد الأديب والكاتب مسلم بن جاسم بن حميد الحلي الخفاجي في مدينة الحلة، محلة الجباويين، في تموز عام 1948. هناك، في أزقة المدينة التي تتنفس التاريخ واللغة، نما الطفل الحالم بالمعرفة، فدخل مدرسة الوثبة الابتدائية للبنين، ثم واصل طريقه في المتوسطة المركزية، ليُكمل دراسته الإعدادية في إعدادية الحلة للبنين سنة 1967.
قادته طموحاته العلمية إلى ألمانيا، حيث التحق بمعهد بليفيد للتدريب الصناعي، وتخرج منه عام 1974 حاملاً دبلوم الميكانيك. عاد بعدها إلى العراق ليضع خبرته في خدمة إحدى مؤسسات التصنيع العسكري، حيث ظل يعمل حتى إحالته إلى التقاعد عام 1995، ليتفرغ للكتابة والإبداع الأدبي، وكأنما كان ينتظر تلك اللحظة التي ينتصر فيها الحرف على الآلة.
منذ مطلع السبعينيات، بدأ الخفاجي يُنشر نتاجاته في الصحف والمجلات المحلية. وكانت بداياته المسرحية لافتة، إذ شارك في مهرجان الشباب للمسرح عام 1974 بمسرحية النضال، وفي العام ذاته كتب مسرحية البيك والحمار التي جابت خشبات مسارح المحافظات الجنوبية، لتكشف عن حس نقدي ساخر يلامس قضايا المجتمع بجرأة وصدق.
لم يتوقف قلمه عند حدود المسرح، بل خاض مجالات متعددة، فصدر له:
التسلية الفكرية (بغداد، 1983).
البعث والحرية (بغداد، 1985).
ينابيع المعرفة (بغداد، 1988).
تطوير الأهداف التدريسية – تدريب المدرسين قبل الخدمة (1989).
حكم وأمثال ألف ليلة وليلة.
شخصية الإسكندر ذي القرنين ويأجوج ومأجوج.
علم الفراسة وأسرار الشخصية، وعلم الأبراج وأسرار الشخصية.
وجهات نظر في دواوين شعرية.
الإسلام وحقوق الإنسان (2005).
كما كانت له محاولات في الكتابة التقنية، إذ أعد كتاباً خاصاً في طرق التصنيع وصناعة العدد وأجهزة القياس في ثلاثة أجزاء، وهو ما يعكس ازدواجية فريدة بين عالم الميكانيك ودنيا الأدب.
أما في الشعر، فقد أصدر مجموعات وجدانية رقيقة، منها:
الفجر في عينيك لعينيك أغني.
أحلام الحب (2000).
حنين اللقاء شوق الغربة.
رسائل حب (2001).
وقد عرفه النقاد بأنه كاتب متنوع المشارب، لم يحصر نفسه في جنس أدبي واحد؛ فهو مسرحي وشاعر وباحث، يتنقل بين النصوص الفكرية والكتابات التعليمية والنتاج الشعري الرومانسي. أشار بعضهم إلى أن هذا التنوع منحه ثراءً معرفياً، لكنه في الوقت ذاته حجَبَ عنه فرصة الترسخ العميق في ميدان محدد، فجاء نتاجه موزعاً بين عوالم متعددة. بينما رأى آخرون في هذه التجربة انعكاساً صادقاً لروح الباحث عن الحقيقة، الذي لا يكتفي بميدان واحد، بل يغامر في دروب شتى طلباً للمعرفة والإبداع.
كان عضواً في اتحاد أدباء وكتاب بابل، وحاضراً في الفعاليات الثقافية، يرفد الحركة الأدبية والفكرية بنصوصه المتنوعة. غير أن رحلته انقطعت فجأة، إذ وافته المنية يوم 28 أيلول 2008 أثناء سفرة ثقافية إلى إيران، تاركاً خلفه إرثاً متشعباً بين المسرح والشعر والفكر والبحث.
لقد بقي مسلم الخفاجي صورة للأديب الذي جمع بين صلابة العلم ورهافة الأدب، وبين دقة الميكانيك ورحابة الشعر، فكان مثالاً للمثقف المتعدد الأبعاد الذي لم يحده إطار واحد.
وعندما ننظر إلى تجربة مسلم الخفاجي من منظور نقدي، يمكننا أن نعتمد مقاربات أدبية معروفة في تحليل الأدب والشعر والمسرح، وتوظيفها لقراءة نصوصه المتعددة. إليك بعض الزوايا التي يمكن للنُقّاد أن يفتحوا بها ملفه الأدبي:
1- ازدواجية العلم والأدب: من أبرز ما يُلفت النظر في مسيرته أنه جمع بين العلم (الميكانيك، الصناعة، التقنيات) وبين الأدب (الشعر، المسرح، الفكر). هذه الثنائية يمكن أن تُعتبر قوة نقدية: فمن جهة، تمنح نصوصه مصداقية تقنية وواقعية، ومن جهة أخرى قد تُشكّل تُرْكة معرفية كبيرة تشتّت القارئ أو تضعه أمام نصوص ذات مستويات متفاوتة في العمق. قد ينتقد النقاد أن بعض أعماله التقنية أقل عمقًا أو جمالية مقارنة بنصوصه الأدبية.
2- التنوع الميداني كفرْض ثقيل: تنقُّل الخفاجي بين المسرح، الشعر، الدراسات التربوية، الفراسة، الفكر الديني، التربية وحقوق الإنسان، يعكس رؤية موسوعية، لكنه في الوقت نفسه قد يُنتقد بأنه لم يترك بصمة قوية في أيّ من الميادين على حدٍّ كامل. فبعض النقاد قد يفضلون أن يختار الكاتب مجالًا يتفجّر فيه، بدل أن يُشتِّت جهوده بين عدة ميادين. لكن من جهة أخرى ينظر إليه آخرون باعتباره (المثقف المتكامل)، الذي لا يرضى بحبْس نفسه في فنٍّ واحد.
3- اللغة والأسلوب: في النصوص الشعرية والمسرحية، قد يُسلِّط النقد الضوء على مسألة اختيار اللغة بين الفصحى واللهجة المحلية، وعلى مدى رصانة الصور الشعرية وصدق العاطفة. هل استطاع أن يخلق رموزًا وشخوصًا تنساب بسلاسة؟ وهل توفّرت له وحدة فنية في المسرح من حيث الفكرة والصراع الدرامي؟ نُقّاد قد يجدون في بعض نصوصه ميلًا إلى (الإيجاز الزائد) أو (الطرافة المباشرة) بدل التجنّب والرمز، في حين يرى البعض أن هذا الأسلوب يناسب ثقافة القارئ المحلي ويقرّبه من النص.
4- المسرح كمنبر نقدي: مسرحية البيك والحمار وغيرها توظّف السخرية أو الخيال للتعليق على الواقع. قد يُحلِّلون كيف يمزج بين الكوميديا والنقد الاجتماعي، وما هي المواقف التي يجرؤ على طرحها. هل صاغ شخصيات رمزية تمثل فئات المجتمع؟ هل أنجز منطقًا دراميًا متماسكًا أم غلب على النص أحيانًا البعد الفكري على البعد الحركي؟
5- التأثير والخلود: من المنطقي أن يُقيّم النقاد مدى تأثيره في أجيال الأدب بعده: هل ورد اسمه في دراسات جامعية؟ هل اقتُبست نصوصه؟ هل استفاد الأدباء الشباب من معين تجربته؟ إن تأخر العثور على دراسات نقدية كثيرة قد يُعزى إلى قلة التوثيق أو ضعف النشر الرقمي، وليس بالضرورة إلى ضعف النصوص.