استراحة مقاتل …….. ما بعد الصناديق…لحظة صدقٍ مع القلم

د. ابراهيم احمد سمو

بعد الحادي عشر من تشرين الثاني عام 2025، تبدأ مرحلة جديدة أُسميها “استراحة مقاتل”. مقاتل أنهكته سنوات النضال في ميادين الكلمة والفكر، لا السلاح والعتاد. وبعد أن خاض معركته الأخيرة في ميدان الانتخابات البرلمانية العراقية، وجد في قلمه سلاحاً، وفي الكلمة جبهة، وفي المقالة ميداناً لا يقل حرارة عن ساحات السياسة.

لقد كتبت أكثر من ثلاثين حلقة في سلسلة حملت عنوان “الانتخابات… ليالي الدكتور إبراهيم”، رافقتُ فيها التحولات، وشرحتُ المواقف، وكشفتُ الغايات، حتى أصبحت تلك الليالي سجلاً فكرياً يوثّق لحظة فارقة في التاريخ السياسي العراقي. واليوم، هذه الحلقات باتت جاهزة للطباعة في كتابٍ أعدّه بعناية، ليكون شهادة على زمنٍ من الحراك، وتعبيراً عن رؤيةٍ ناضجة صاغها القلم بعد طول معاناة وتجربة.

لكن بعد هذه الرحلة الطويلة، تأتي الاستراحة لا بمعنى التوقف، بل بمعنى التقاط الأنفاس بعد صراعٍ نبيل. إنها استراحة مقاتلٍ خاض معركة الفكر بعنادٍ وشغف، ولم يكن وحده في الميدان. فهذه الاستراحة ليست لي وحدي، بل هي استراحة “مقاتلين”، لكل من شاركني الحلم والعمل والقلق والسهر، حتى تجاوزنا مرحلة العناء إلى لحظةٍ من الطمأنينة، حيث يمكننا أن نقول: لقد تحقق المطلوب.

حين وصلنا إلى هذه النقطة، أحسست أننا أخيراً نستطيع أن نتنفس الصعداء، وأن نرفع أيدينا بالشكر. نشكر الرب أولاً، ثم نشكر الجهود الصادقة التي لم تخذلنا يوماً، ونشكر كل من آمن بأن العمل الجماعي هو الطريق الوحيد للنجاح. فهنا، لا مكان لمقصرٍ، لأن الجميع كان على قدر المسؤولية، والجميع ساهم في تحقيق الهدف.

اليوم، أشعر بفرحٍ متجددٍ يتكرر في داخلي أكثر من مرة. فرحٌ لأن الرئيس يرى ثمار ما زرع خلال قرنٍ من الزمن تُحصد في كل انتخابات. لقد كان هذا الاستحقاق الانتخابي اختباراً عسيراً، حمل في طياته أكثر من ظرفٍ وتحدٍ، لكنه أثبت أن الانتماء لم يكن عبثاً، وأن الجذور التي غرست قبل أكثر من ثلاثة عقود ما زالت قادرة على الإثمار.

منذ أكثر من ثلاثٍ وثلاثين سنة، لم ينقطع العمل يوماً. لم يتوقف العطاء، ولم تخفت جذوة الإيمان بالمبدأ والانتماء. السنوات الأخيرة كانت حافلةً بالتعب والجهد، خاصة في قلم فياض، حيث لم يمر يوم دون أن أكتب مقالاً أو اثنين، بل أحياناً ثلاثاً. كانت الكلمة تخرج من عمق الوجدان، محملةً بشغف الإصلاح والولاء والفكر، لأن القلم بالنسبة لي ليس مجرد أداة، بل رسالة أمةٍ وصوت انتماءٍ صادق.

إن الكتابة بالنسبة لي ليست ترفاً فكرياً، بل أقل واجبٍ يمكن أن نقدمه للأمة وللانتماء. هي شكل من أشكال الوفاء، وهي استمرار للنضال بأسلوبٍ مختلف. فحين تتعب الجبهة السياسية، يبقى القلم واقفاً، شاهراً كلمته في وجه الظلم، ومبشراً بالأمل في وجه اليأس.

واليوم، وأنا أضع النقطة الأخيرة بعد رحلة طويلة من الحروف والمواقف، أشعر أن “استراحة المقاتل” ليست نهاية الطريق، بل بداية مرحلةٍ جديدة من التأمل والعطاء المختلف. مرحلةٌ نعيد فيها النظر في ما أنجزناه، ونستعد لجولاتٍ قادمة، لعلها تكون أكثر صفاءً وأقل ضجيجاً.

فالكتابة، كما النضال، لا تعرف الختام. وما دام في القلب نبض، وفي القلم مداد، فإن الطريق أمامنا ما زال ممتداً… لكننا اليوم نستحق أن نقول: الحمد لله… لقد أتممنا المهمة على الاقل لحد الان .

قد يعجبك ايضا