لاينكر بأن اسم البارزاني منذ اليوم الاول لقـيام ثورة ثم عودته الى العـــراق في تشــرين الأول 1958 قــد اعـطى زخــمــا جــديدا لـلحــزب وتضاعـف عدد اعضائه بمرات، والحق يقال فـأن البارزاني هـو الًذي صان مـسـيـرة الحـزب وخطه القـومي رغم الـظروف السـيـاسـيـة في العـراق ورغم المحــاولات التي جــرت للـتــأثيــر على ذلك الخـط، وفي الحــقــيــقــة وصلت العـلاقـة بين الحـزب كـمـؤسـسـة وبين البـارزاني كـرئيـسـه الى حـد الاندمـاج واصـبـحـا كتـوأمين لايمكن الفـصل بينهـمـا بالرغم من تحـفظات البـارزاني على اشـخـاص في قيـادة الحـزب وفي مـراحل مـختلـفة، واصـبح البـارزاني والحزب يكمل احدهما الأخر.
وفي عصر ذلك اليـوم ذهبت الى النادي العسكري الذي كان يقع انذاك بجـانب بـناية ديوان المتصرفية وقـرب ســينمـا صـلاح الديـن وجلست في حـديقـة النادي مع اخـرين،ثم حـضـر البـارزانـي مع المتصرف اللواء الركن عـلاء الدين مـحـمـود وبعـد السـلام عليـه تبـادلنـا بعض الاحـاديث الودية، وفي تلك الاثناء تجمهر عدد كبير من المواطنين امام النادي عندما سمعوا بنبـأ وصـول البـارزاني وكـان افـراد الانضـبـاط العـسكري يحـرسـون مـدخل النادي فــخـرج البــارزاني للســلام على المواطنين وتقديم الشكر لـهم على هذا العناء واذا بشـاب يخرج من بين صفـوف المواطنين وينحني نحـو حذاء البارزاني مـحاولاً لثـمه فـتراجع البارزانـي الى الوراء غاضبـاً لانه لم يكن يرضى بمثل هذه الاعــمــال
////////////////////////////
محسن دزه يي
تكمن أهمـية هذا الـكتاب فـيمـا يفـتحـه من النوافـذ أمـام أنظار القراء فهـو عبارة عن سيرة الحياة الشخصية والسياسية للمناضل البارز في صفوف حركة التحرر الكوردستانية ، (محسن دزه يي).
يغطي الجزء الأول من كتاب (احداث عاصرتها) أيام طفولتـه ومراحل دراسـته ثم الاحداث التـي وقعت في محطات حياته المختلفة من مزاولة مهنة المحاماة والتجارة،الى التحاقه بالثورة الكوردية عام 1963 كبيشمركة وسياسي،ومن ثم توليه مسؤوليات قيادية هامة في صفوف الحزب الديمقراطي الكوردستاني والثورة الكوردية، ولأهمية هذه الشخصية القيادية البارزة ودوره الفاعل في الحركة التحررية الكوردستانية، ندعوا قراءنا الى متابعة مجريات الأحداث والذكريات التي عاصرها المناضل (دزه يي) خلال محطات حياته.

القسم السابع عشر
وبعـد مـضي حـوالي اســبـوع على عـودتي الى أربيل ولقــائي بالشـيخ احمـد البارزاني كـما ذكرت،علمت بان البـارزاني قد وصل الى مـصر في طريق عـودته الى العـراق، وقد اسـتقـبله الرئيس المصري جمـال عـبدالناصـروالوفد المرافق له. وتلقى شقـيقي كاك احمد نداء هاتفـيا من بغداد يوم 6تشرين الأول 1958 يفيـد بان مـصطفى البارزانـي سوف يصل بغـداد في مـسـاء اليـوم نفـســه، وانه سـيـحل في فندق الخـيـام وأكـد الـنبـأ أيضـاً فـرع الحـزب الديمقراطي الكردسـتـانـي في أربيل، وعلى اثر ذلك غــادرنا انا و كـاك احمـد مدينة أربيل مسـاءً متجـهين بسيـارتنا الخاصة الى بغـداد حيث وصلناها في منتـصف الليل، ولما كان الوقت متـأخراً ورحلة سفـرنا متعـبة بسـبب رداءة الطريق بين كـركـوك وبغداد، حـيث لم يكن مـبلطاً انـذاك فقـد فضلنا الاستراحة في تلك الليلة في احـد الفنادق، وفي الصباح الباكر من اليــوم التـــالي 7تشرين الأول 1958 ذهبـنا الى فنـدق الخــيــام ولم نجــد مـايشـيــر الى وجـود أي ازدحـام أو أثر لوجــود البـارزاني فـأسـتـغــربنا من ذلك، ولما استفسرنا عن الأمر قيل لنا بأن البـارزاني قد غير محل اقامته بسـبب عدم اسـتيـعاب المكان لكثـرة الناس المرحبين بعودته وانه يقـيم في فندق سمـير اميس الذي كان لايبعـد عن ذلك الفندق سوى مسـافة حوالي مـائة مـتر، وعندمـا ذهبنا الى هـناك وجدنا ازدحـامـا كـبيـراً في صـالونات وحـدائق الفندق الذي سـبق لي ان كنت قـد حللت فـيـه، ولم نجـد البـارزاني وقد قيل لنا بانه يستقبل المرحبين به عصراً، وعلى اثر ذلك ذهب شقيقي كـاك احمـد الى مقـر الحزب الديمقراطي الكردسـتاني في بغـداد ومن هناك ذهب مع أعضاء قيادة الحزب للسلام على البارزاني والترحيب به.
وذهبت انا في عـصــر ذلك اليـوم الى فندق سـمـيـر امـيـس ثانيـة وهناك شاهدت ازدحامـا كبيرا ووفـودا قادمة من كل انحاء العـراق تكاد لاتتسع حـدائق الفندق بهـا وبعد الانتظـار لفتـرة قـصيـرة أطل البـارزاني من شرفـة الفندق المطلة عـلى الحدائـق وسلم على الحـاضرين وشـكرهم لمجـيئـهم، وقـد لاحظت بأن صـوته كان مبـحوحـا من كثرة الـلقاءات في اليوم الـسابق، ثم القى ميرحـاج احمد (5) كلمة نيابة عن البارزاني شكر فـيها الحضور على مـشـاعـرهم وتعـبـهـم وأعلن عن الولاء للجـمـهـوريـة العـراقـيـة ومـؤسـسـهـا الزعـيم عبـدالكريم قاسم، ولم يتسن لـي لقاء البـارزاني بصـورة شخـصيـة لكـن بعـــد يومين أو ثـلاثة تشكـل وفـــد من مـــحـــامي أربيل لـلتـــرحـــيب بالبـارزانـي وكنت ضـمن الوفــد فـذهبنا الى صـالـة فندق سـمـيــر امـيس ثم حـضــر البـارزاني وسلم عـلينا واحـداً واحــداً ولم يجـر أي حـديث بـيننا ولااعتقد انه قد حفظ كل تلك الاسماء لكثرة الوفود القادمة للترحيب به.

وبعـد ان تفرق الوفـد حـصل شقـيـقي كاك احـمد الـذي سبق له ان التـقى البـارزاني على مـوعـد منه لاسـتقـبـالي مع أربعـة أو خـمـسة اشـخـاص من أقـاربنـا، وذهبنا في الموعد المحـدد حـيث اســتـقـبلـنا البـارزاني في غــرفـة خـاصـة وتعـرف علينا جـمـيـعـاً وتبـادل مـعنا كـلمـات المجـاملة وسـألنا عن مـشاكلنا واحـوالنا، ثم تحـدث عن بعض ظروف حـياته في المنفى مدة 12عاماً،وقد وجدته خـلال اللقاء شخصاً متواضعاً وبسيطاً وواقـعياً وعملياً وذو شخصـية جذابة وقوية مـحببة للنفوس وذو تأثيـر كبير على مـحدثيه، وقـد استـغرق اللقـاء معـه اكثـر من نصف سـاعة- وكـان ذلك وقتـاً طويلاً قـياسـا لمشاغله وكـثـرة زائريه- ثم غادرنا المكان بعد ان ودعنا البـارزاني شـخصـيـاً حتى الممر الخـارجي للغـرفة، وبعـد اتمام الزيارة عـدنا الى أربيل لكن الوفــود ظلت تـتـدفق الـى الفندق دون انقطـاع رغم مـضـي اكـثــر من اسبوع على عودة البارزاني الى العراق.
كـان البـارزاني قـد أسس الحـزب الديمقـراطي الكردسـتـاني العـام 1946 اثناء وجـوده في كـردسـتان ايران حـيث كـان المدافع الرئيس عـن جمـهـورية مـهـاباد الفـتـيـة، وقـد بعـث بمندوبه حـمـزة عـبـدالله للأتصـال بـالتنظيـمـات السـيـاسيـة الموجودة انذاك وبالشـخـصيـات الوطنيـة والقـومـيـة، فتم عـقـد المؤتمر الاول في 16 اب 1946 وتقــرر تشكيل الحـزب وانـتـخـاب هيـئــتـه الرئاسيـة واللجنة المركزية، وكانت الهيـئة الرئاسية قـد شكلت على أساس التوصيات التي بعث بها البارزاني،فـقد انتخب مؤسس الحزب البارزاني نفسه رئيساً وانتخب كل من الشيخ لطيف الشيخ مـحمود الحفيد ومحمد زياد آغـــا غـــفــوري (كـــاكـــه زياد) كنـائبي الاول والثـــاني لـلرئيس عـلى التوالي.
وكذلك انـتخب حمـزة عبـدالله سكرتيراً للحـزب وعدد من الشـخصـيات الوطنية والقـومية كـاعضاء في اللجـنة المركزية أذكر منهم الدكـتور جعـفر محمد كريم وعلـي عـبــدالله وعــوني يـوسف ورشــيـد بـاجـلان و رشــيــد عــبـدالقــادر ونوري شــاويس وعــمـر مــصطفى دبابـة وتوفـيق عــبــدالكريم وعبدالصمد البناء وغيرهم.
وكان الحـزب في بداية تشكيله يضم عددا قليلا من الاعـضاء والكوادروكـان بـمـد وجـزر مـن حـيث عـدد اعــضـائه وحــسب الظروف التـي كـان يجـتـازها العـراق آنذاك، ورغم سـقـوط جمـهـورية مـهـاباد وذهاب مـؤسس الحـزب مـصطفى البـارزاني الـى الاتحـاد السـوفـيـاتي فـأن الحـزب تمكن من الصمود وكان دوما يستعمل اسم البارزاني ويجري معه بعض الاتصالات ولو بصورة محدودةً.
ورغم جـهود كـوادر الحزب فلـم يتجـاوز عدد اعـضـائه المئات ولا اعـتقـد بأنه قـد بلـغ الالف لحين الاطاحـة بنظام الحكم الملكي في14تموز 1958 وظهور الحزب في العلن واندفاع المؤيدين للانضمام اليه، ومنذ بداية ثورة 14تموز فــقـد ظـهـر اسم البــارزاني ثانـيـة وأصــبح يتــردد على لســان كل كردي، ولاينكر بأن اسم البارزاني منذ اليوم الاول لقـيام الثورة ثم عودته الى العـــراق في تشــرين الأول 1958 قــد اعـطى زخــمــا جــديدا لـلحــزب وتضاعـف عدد اعضائه بمرات، والحق يقال فـأن البارزاني هـو الًذي صان مـسـيـرة الحـزب وخطه القـومي رغم الـظروف السـيـاسـيـة في العـراق ورغم المحــاولات التي جــرت للـتــأثيــر على ذلك الخـط، وفي الحــقــيــقــة وصلت العـلاقـة بين الحـزب كـمـؤسـسـة وبين البـارزاني كـرئيـسـه الى حـد الاندمـاج واصـبـحـا كتـوأمين لايمكن الفـصل بينهـمـا بالرغم من تحـفظات البـارزاني على اشـخـاص في قيـادة الحـزب وفي مـراحل مـختلـفة، واصـبح البـارزاني والحزب يكمل احدهما الأخر.
//////////////////
ولايزال الفضل يعـود للبارزاني بعـد مضي اكثـر من عقديـن على رحيله فـيـمـا وصل اليـه الحـزب بصـورة خـاصـة والـشـعب الكردي بصـورة عـامـة، ولايزال يعد نبراسـاً ينيـر الطريق لنا ويسـير الحـزب على خطاه في العـمل لأجل خدمة الشعب.
* وما الذي تتذكره عن تفاصيل زيارة مصطفى البارزاني لمدينة أربيل في تشرين الثاني 1958؟
– بعد عـودتي الى أربيل بدأت بمزاولة اعـمالي المعتادة كحـضور غـرفة المحامين صـباح كل يوم والبـقاء هناك فـترة ساعـة أو ساعتين فيـما اذا لم تكن هناك أمـور رسـمـيـة أو دعـاوى للـقيـام بـهـا، كنا خـلال تلك الفـتـرة نتــداول مع الاخــوة المحــامين ونـتــبـادل الاحــاديـث عن الاوضــاع القــائمــة والظروف السـياسـيـة ومتـغـيراتهـا السـريعة،وكـان عـددنا يومذاك حـوالي عشرين محاميا لم يكن يحضر مـنهم عادة سوى عشرة محامين حيث كان بعـضهم ينشـغلون بتبـادل الاحاديث والفكاهات، وبعـد قضـاء تلك الفـترة في غــرفــة المحــامين كنت أذهب الى مـكتــبنا التــجــاري رغم ان النشــاط التـجـاري كان راكـداً انذاك نتـيـجـة قـيام الثـورة وانشـغـال الناس بالامـورالسياسية والمسيرات والمظاهرات وكذلك نتيجة سوء ذلك الموسم الزراعي وقلة الانتاج مما أثر كل ذلك على اوضاع السوق التجارية.
////
ولما كنت عـضواً منتخـباً في المجلس البلـدي فقد كنت أذهب الـى رئاسة بلدية اربيل احـياناً فـيـما اذا وجـد اجتـماع للمـجلس البلدي، وكـان رئيس البلدية انذاك هو المهندس عبـدالوهاب الحاج حـسن الذي كـان شخـصاً نزيها وجديا في عمله لكنه كان يساير تلك الظروف والهيجان السياسي، وكان قد تولًى منصبه حديثاً يومذاك بعد احالة المرحوم محسن محمد اغا على التـقاعـد اثر قيـام ثورة 14تموز والذي كان رئيـساً للبلدية مدة 30 عاما واتصف بالنزاهة والجدية في العمل حسب ظروفه وامكاناته، ثم تولى رئاسـة البلـدية من بعـده المرحوم هادي الجـاوشلي وكنت يومـذاك خارج العراق وقد اشغل الجاوشلي منصبه ذاك زهاء ثلاثة اسابيع ثم أسند اليه منصب مـتصرف لـواء السليمانيـة وكالة وشغل منصب رئـاسة البلدية من بعـده وكـالة السـيد مـعـروف رؤوف بصـفتـه عـضـواً في المجلس البلدي وبعده أسند المنصب الى عبدالوهاب الحاج حسن.
وفي احــد ايام اواخــر شـهــر تشــرين الأول 1958 علمـنا بان البــارزاني قـادم من بغداد لزيارة أربيل فـقـرر المجلس البلدي اقامـة حـفل ترحيـبي له وجرى الاتفـاق على اقامة حـفلة شاي على شـرفه في عصـر ذلك اليوم في حـديقـة دار مـتـصـرف اربيل اللواء الركـن عـلاء الدين مـحـمـود الذي كنت على معرفة بسيطة سابقة به تعـود الى ايام مشاركتي في دورة الاحتياط بمعسكر سكرين حيث كان هو امراً للواء الاحتياط انذاك.
وفي عصر ذلك اليـوم ذهبت الى النادي العسكري الذي كان يقع انذاك بجـانب بـناية ديوان المتصرفية وقـرب ســينمـا صـلاح الديـن وجلست في حـديقـة النادي مع اخـرين،ثم حـضـر البـارزانـي مع المتصرف اللواء الركن عـلاء الدين مـحـمـود وبعـد السـلام عليـه تبـادلنـا بعض الاحـاديث الودية، وفي تلك الاثناء تجمهر عدد كبير من المواطنين امام النادي عندما سمعوا بنبـأ وصـول البـارزاني وكـان افـراد الانضـبـاط العـسكري يحـرسـون مـدخل النادي فــخـرج البــارزاني للســلام على المواطنين وتقديم الشكر لـهم على هذا العناء واذا بشـاب يخرج من بين صفـوف المواطنين وينحني نحـو حذاء البارزاني مـحاولاً لثـمه فـتراجع البارزانـي الى الوراء غاضبـاً لانه لم يكن يرضى بمثل هذه الاعــمــال ونطق الشــاب ببــضع كلـمـات وكــان تصــرفــه بدوافع المحــبـة والـشـوق والاخــلاص، وحـاولنـا تهـدئة الـبـارزاني وغــضـبــه وشرحنا له دوافع تصرف ذلك الشاب..
بعـد ذلك ذهبنا الى حـديقة دار المتصرف حـيث كـانت الكراسي والموائد والحلويات والشـاي قـد أعدت هناك وتوزع المدعوون حـول تلك الموائد في ارجــاء الحـديـقـة وكــانوا يمثلون وجـهــاء اربيل وكــبــار الموظفين والمحامين والاطبــاء وممثلي كــافـة اصـناف المجـتــمع وطبــقـاتـه وغـيــرهم، وقـد تجــول البـارزاني بين الحـاضـرين يرافقـه المتصرف ورئيس البلدية وبعض اعـضـاء المجلـس البلـدي وكنت من ضــــمنهـم حـــيث قـــام بالـســـلام على الجــــمـــيع ومصـافحتـهم والتعرف عليـهم، والقيت خلال الحـفلة كلمات التـرحيب به، وفي تلك الاثناء حضر احـد الضباط يرافقه حوالي عشـرين جنديا أو أكثربقليل وقـد أصطف الجـمـيع في جـانب من الحـديقـة ثم تقـدم الضـابط نحـوالبارزاني وبـعد أن سلم عليه أخـبره بان هؤلاء الجنود جـميـعهم من عـشائر بارزان وقـد حضـروا للسلام عليـه، فنهض البـارزاني وذهب للسلام عليـهم واحدا واحدا وقد رافـقتـه شخصـياً في تلك الاثناء ولاحظت بـأن كل واحد منهم عند السـلام عليه كـان يسأل البـارزاني باحتـرام عن أبيه أو أخـيه أوأحد اقاربه من الذين رافـقوا البارزاني في مسيرته الى الاتحـاد السوفيتي والذين كان البارزاني يعرفهم جميعا لذا كان يجيب كل سائل حسب واقع حال ذلك الشـخص الذي يستفسر عنه حيث كان يقـول ان فلاناً حي يرزق وهو مـتـزوج وله ولد أو اولاد وانه بـخـيـر واتذكـر انه أجـاب سـائليـه مـرة واحدة أو مرتين بان ذلك الشخص قد أستشهد وكانت اجاباته تؤكد شدة ذكـائه وقــوة ذاكـرته ودرجـة اهتــمـامـه بمرافقيه واخـبـارهم واطـلاعـه على اوضاعـهم واحوالهم، وبعـد انتهـاء الحفلة تفـرق الجمـيع واستقل الـبارزاني سـيارتـه يرافقـه عـدد من الضـباط والجـنود وبعض البـارزانيين واعتـقـد انه توجه الى منطقة بارزان.
ثم مـرت الاحـداث بعــد ذلك سـريعـا،ً ولم التق بالـبـارزاني الا مـرتين أوثلاث حـسـبـمــا اتذكـر قـبل اندلاع الثـورة الكـردية في 11 أيلول 1961، فقد زرتـه مرة في داره ليـلاً ببـغـداد حيث كـان يسكن يومـذاك داراً تعـود لمديرية السكك الحديدية وتقع في جـانب الكرخ وهي نفس الدار التي كان يسكنهـا نوري السـعيـد قبل اكـمـال داره الخاصـة على ضـفاف نهـر دجلة، وسكنهـا بعد ذلك مـدير الشرطة العـام قبل قـيام ثورة 14 تموز ثم سكنـها البــارزاني، وكنت خــلال تلـك الزيارة واحــداً ضـمـن عـدد من الـزوار الذين عرفت منهم المرحوم صالح ميران.
وفي المرة الثانية كنت خارجاً من بناية المحاكم في بـغداد ومتوجهاً نحوالبــاب الرئيـسي لـوزارة العـدل، وبينـمـا كنت أســيـر في الشــارع التـقــيت بالبـارزاني سـائرا باتجـاه بـناية المحـاكم واعـتـقـد انه كـان خـارجـاً من وزارة العــدل أو كـان قــادمـاً من اتجــاه وزارة الداخليــة وكــان يرافـقــه شـخــصين مسلحين من حراسـه، وبعد السلام عليه توقف وتبادلنا كلمات الـتحية ثم مـضى كل منا في طريقه، واعـتـقد بأن ذلك كـان في صيف العام 1960 عندما بدأ الجـو بـالتـوتر قليـلاً بين عـبـدالكريم قـاسـم والحـزب الديمقراطي الكردسـتـاني، ولم التق البـارزاني مـرة اخـرى الا بعـد اشـهـر من التـحـاقي بالثــورة الكردية في العــام 1963 وربما سـأتطرق للـحـديث عن تفــاصـيل ذلك في سياق حوارنا هذا.
وعلى ذكر عـضويتي في المجلس البلدي فقـد قدمت استقـالتي منها في ربيع العــام 1959 وذلك لقناعــتي بعـدم ســيـر الامــور بصـورة طبــيـعــيـة وتدخل بعض الجـهات التي لاعـلاقة لهـا بشـؤون البلدية في أمورها وعـدم تمكن رئيـس البلدية المهندس عـبـدالـوهاب الحـاج حـسـن من منعـهــا آنذاك بسبب الظروف السائدة والفوضى الموجودة وكانت اموال البلدية في بعض الحـالات تصـرف هبـاءً لـذا لم أتمكن من تحـمل المسؤولية والاسـتـمـرار في عضوية المجلس البلدي.