المياه من حرب الحدود إلى تهديد الوجود

سيف السعدي

من يملك الماء يملك القرار وله السلطة والخيار، وهذا ما تفعله تركيا مع العراق بسبب وجود أزمة في الإدارة لموارد العراق التي لم تُستثمر على مدى عقود من الزمن. لذلك، رئيس الجمهورية التركي الثامن، تورغوت أوزال، يقول: “نحن لا نملك الكثير من الموارد، ولكن نملك المياه”، التي عن طريقها تستطيع تركيا مقايضة العراق ضمن معادلة (النفط مقابل الماء).

ومن الجدير بالذكر أن عبارة “من يملك الماء يملك القرار” هي تلخيص لمفهوم “الاستبداد الشرقي” الذي صاغه كارل ويتفوغل في كتابه “الاستبداد الشرقي: دراسة مقارنة للقوة الكلية” (1957). حيث يجادل فيتفوغل بأن الدول المبكرة في الحضارات الهيدروليكية (التي تعتمد على أنظمة الري المعقدة) كانت بحاجة إلى إدارة مركزية قوية للتحكم في الموارد المائية، مما منح الدولة سلطة مطلقة على السكان، حيث إن سيطرتها على المياه تترجم إلى سيطرة على سبل عيشهم ومعيشتهم، لأن الإنسان لا يستطيع العيش دون ماء. لذلك، الله تعالى في محكم كتابه العزيز يقول: “وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ”، أي إن حياة الإنسان مرتبطة بوجود الماء، وقطعه يعني تهديدًا لوجوده.

تركيا لا تلتزم بالاتفاقيات السابقة مع العراق لأنها ليست موقعة على اتفاقية الأمم المتحدة للمياه أو ما يعرف بـ”اتفاقية هلسنكي” التي اعتمدت عام 1992، وأصبحت نافذة عام 1996، ووافقت أطراف الاتفاقية عام 2003 على تعديل المعاهدة لتمكّن أي دولة عضو في الأمم المتحدة من الانضمام إلى هذه الاتفاقية التي تهدف لضمان الاستخدام المستدام لموارد المياه العابرة للحدود من خلال تسهيل التعاون وتحسين إدارة الموارد المائية على المستوى الوطني مثلاً، لدينا اتفاقية لوزان عام 1923 اختصت بالمجرى الأعلى، وسوريا بالوسط، والعراق بالسفلي، واتفاقية حسن الجوار عام 1936، واتفاقية حسن الجوار عام 1946، كلها ليست ملزمة للجانب التركي. ولكن يستطيع العراق استخدام أوراق ضغط على تركيا لزيادة الإطلاقات المائية، منها الاستثمار التركي في العراق، والتبادل التجاري، وحزب العمال الكوردستاني، فضلاً عن أنبوب نفط كركوك – جيهان التركي، أما فيما يتعلق باتفاقية حقوق الطفل لسنة 1989، فهي ايضاً غير ملزمة لتركيا لأنها انسحبت منها عام 2021.

مشكلة المياه مستمرة وستستمر حتى وإن استمرت تركيا في الإطلاقات المائية، ببساطة لأن عدد سكان العراق في تزايد، كما الحال ينطبق على السودان ومصر. والدكتور فرج فودة رحمه الله، وهو باحث بالشؤون الإسلامية وحاصل على الدكتوراه بالموارد المائية، قدم رأيه للحكومة المصرية بالثمانينات قائلاً:

“إثيوبيا والسودان حتى لو يكن فيها سدود، مع ذلك سنبقى بحاجة إلى مزيد من الماء، والسبب هو الزيادة الكبيرة في عدد السكان”. لذلك، طالب فرج فودة بإعادة تدوير مياه الصرف الصحي، الزراعة النقطية، تحلية مياه البحر، خصوصاً مصر المطلة على البحر المتوسط والبحر الأحمر، وهذا ينسحب على العراق، لأن ما يمر به من ظروف أعطى دافعا للأتراك احتلال العراق عن طريق الماء، لأن من يملك الماء يملك السلطة. وحتى الوثيقة التي وقعها العراق مع تركيا قبل أيام كان من ضمن بنودها إدارة الموارد المائية وتنظيمها عن طريق تركيا!! بالرغم من وجود وزارة الموارد المائية!!

لو كان لدينا حكومات ونظام ودولة تحترم نفسها، لاستقلت مائياً عن تركيا وإيران، لأننا نملك طاقة وهي النفط، وبالإمكان استغلال المياه الجوفية ومياه الأمطار وإعادة تدوير مياه الصرف الصحي، فضلاً عن مياه الخليج.

“جدلية التمييز بين الوثيقة المائية والاتفاقية”

ما حصل بين العراق وتركيا هو التوقيع على “وثيقة لتنظيم إدارة المياه” ولا يرتقي إلى مستوى اتفاقية. وأستغرب من حديث الكثير عن مصطلح “اتفاقية”، وهو يجهل تماماً أن هناك نصاً دستوريا يتمثل بالمادة (61/ رابعا): “تنظم عملية المصادقة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية بقانون يسن بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب”، وهذا القانون هو رقم (35) لسنة 2015، بالتحديد بالمادة (17) التي نصت على: “يخضع التزام جمهورية العراق بالمعاهدات المعقودة وفقاً لأحكام هذا القانون إلى موافقة مجلس النواب على قانون التصديق على المعاهدة أو قانون الانضمام إليها بالأغلبية المطلقة لعدد أعضاء المجلس، عدا المعاهدات التالية التي يجب حصول الموافقة عليها بأغلبية الثلثين:

– أولاً: معاهدات الحدود والمعاهدات التي تمس السيادة الإقليمية لجمهورية العراق.
– ثانياً: معاهدات الصلح والسلام.
– ثالثاً: معاهدات التحالف السياسية والأمنية والعسكرية.
– رابعاً: معاهدات تأسيس المنظمات الإقليمية أو الانضمام إليها.

صلاحية رئيس مجلس الوزراء بعقد الاتفاقية تتمثل بالأحرف الأولى، ومن بعدها يجب أن تُعرض على البرلمان للمصادقة عليها، أما ما يتعلق بالاتفاق التنفيذي ومذكرات التفاهم والعقود، فهي من صلاحية رئيس مجلس الوزراء دون الحاجة إلى الرجوع لمجلس النواب، مثلما أشارت المادة (3/ ثانياً / ثالثاً) من قانون رقم (35) لسنة 2015.

قد يعجبك ايضا