محمد علي محيي الدين
حين يتأمل القارئ سيرة الدكتور فرحان بدري الحربي، فإنه لا يقف أمام مسيرة أكاديمية فحسب، بل أمام رحلة وعي بدأت من ضفاف الفرات في الحلة، المدينة التي أنجبت كثيرًا من أرباب الفكر والحرف، وانتهت إلى مصاف كبار النقاد الذين منحوا النقد العربي الحديث لونه وتحولاته.
وُلد عام 1970 في الحلة، وبدأ منذ مراحل دراسته الأولى يشق طريقه في دروب اللغة العربية، حتى استوت قامته العلمية بين أروقة كلية التربية – ابن رشد في جامعة بغداد، حيث نال البكالوريوس ثم الماجستير، فالدكتوراه عام 2001، وكان تخصصه في الأدب، وهو اختيار يعكس ما في داخله من انشداد إلى جماليات النص وتحولات الخطاب.
لكن ما يميز الدكتور الحربي لا يقتصر على شهاداته أو ألقابه، وإن كانت هذه قد توّجته أستاذًا للنقد والبلاغة في جامعة بابل، بل في قدرته على الجمع بين النظرية النقدية الرصينة والحس الشعري المتوقد، بين الصرامة الأكاديمية وتوق الكتابة الحرة. فالرجل، إلى جانب كونه ناقدًا صارمًا في أدواته، هو شاعر أيضًا، لا يخفي ضعفه أمام غواية الشعر، وقد تجلّى هذا في مجموعته “مدونات في ماء مهين”، التي كشفت عن باطن شاعر يكتب بوعي الناقد لا بغواية الانفعال.
لم يكن الحربي ناقدًا عاديا؛ بل جاء إلى النقد مسلحًا برؤية تحليلية حديثة، تؤمن بالأسلوبية مدخلًا لفهم النص وتفكيكه. ومن هنا، كانت باكورته “الأسلوبية في النقد العربي الحديث” محطة مبكرة لإعلانه مشروعًا نقديًا خاصًا به، تلقفه الوسط النقدي العراقي والعربي باهتمام. الكتاب، الذي طُبع أولًا في بيروت ثم أعيد نشره عن اتحاد الأدباء في العراق، كان بمثابة محاولة حفر معرفي في التربة الصلبة للنص العربي، ومحاولة فهمه خارج القراءات التقليدية.
وقد أضاف إلى هذا المشروع كتابه الآخر “الأسلوبية والتحليل الأدبي”، حيث عمّق من أدواته، ووسّع من رؤيته، متجاوزًا القراءة البنيوية المغلقة إلى مقاربات أكثر انفتاحًا على المرجعيات الثقافية والتاريخية. في حين يأتي كتابه “الشعر العربي الحديث: قراءة في المرجعيات وتحولات الأثر الفني” كحلقة وصل بين اشتغاله النقدي وشغفه الشعري، إذ يقرأ الشعر من الداخل، لا كمتفرج، بل كمن ذاق مرارات القصيدة ودهشتها.
ولعلّ النقاد الذين كتبوا عن الحربي، أو أشاروا إلى أثره، يرونه من أولئك القلائل الذين أعادوا الاعتبار للنقد البلاغي الحديث من خلال ربطه بالأسلوبية والتحليل الخطابي، دون أن يقع في فخ التنظير المفرغ من الممارسة. وقد لاحظ بعض الباحثين أن منهجه لا يتكئ على مذهب نقدي واحد، بل يستفيد من مناهج متعددة، لكنه يصرّ دومًا على أن يكون النص هو الحاكم الأول والأخير.
يصفه بعض طلابه بأنه “أستاذ يفتح باب المعنى ولا يغلقه”، إذ لا يفرض تأويلًا على نص، بل يتيح له أن يتنفس أكثر من قراءة، وهذا ما جعله مشرفًا متميزًا في الدراسات العليا، يُصغي للباحث ويقوده بلطف المعرفة لا بسلطة الأستاذ. أما زملاؤه، فيشهدون له بحضور علمي وازن، خاصة في المؤتمرات العلمية التي شارك فيها داخل العراق وخارجه، وفي بحوثه المنشورة التي تميزت بالصرامة المنهجية واللغة المكثفة.
إلى جانب نشاطه الأكاديمي، ينتمي الدكتور الحربي إلى هيئات ثقافية ومهنية عدة، مثل اتحاد الأدباء في بابل، ونقابة الأكاديميين، ونقابة المعلمين، مما يدل على اتساع دائرة اهتماماته وانخراطه في الفضاء الثقافي والمجتمعي.
وإذا أردنا أن نلخّص أثر الدكتور فرحان بدري الحربي في جملة واحدة، فقد نقول إنه “ناقد يكتب بعين الشاعر، وشاعر يرى بعين الناقد”، وهذه الثنائية، حين تتجلى في ناقد ما، تفتح أمام المتلقي أفقًا أوسع لفهم النصوص، وتضع الناقد ذاته في موقع جديد: موقع المبدع الذي لا يكتفي بالتحليل، بل يضيف إلى النص أفقًا آخر للقراءة.