د. زينب عبد الزهرة هادي
ولد الشعر الحر في العراق بين ١٩٤٧-١٩٥٠ وكان رواده الأوائل نازك والسياب والبياتي وشاذل طاقة ومن بين هؤلاء الرواد تظل نازك اكثرهم توفيقا في تقنين المفاهيم الخاصة بالدعوة الجديدة وأسرعهم في نقدها وبيان عيوبها وميزاتها وأضعفهم قصيدا وأعجزهم عن تطوير المنحى الذي دعت اليه.
بدأت نازك دعوتها على النحو الآتي: ويقولون؛ ما لطريقة الخليل، وما للغة التي استعملها آباؤنا منذ عشرات القرون؟ والجواب أوسع من أن يمكن بسطه في مقدمة قصيرة لديوان ما لطريقة الخليل. ألم تصدأ لطول ما لا مستها الاقلام والشفاه منذ سنين وسنين، ألم تألفها أسماعنا وترددها شفاهنا، وتعلكها أقلامنا، حتى مجتها وتقيأتها؟
منذ قرون ونحن نصف انفعالاتنا بهذا الاسلوب حتى لم يعد له طعم ولا لون. لقد سارت الحياة وتقلبت عليها الصور والالوان والأحاسيس ومع ذلك ما زال، شعرنا صورة لقفا نبك وبانت سعاد، الأوزان هي هي، والقوافي هي هي، وتكاد المعاني تكون هي هي!
ومزية الطريقة الجديدة انها تحرر الشاعر من عبودية الشطرين. فالبيت ذو التفاعيل البست الثابتة يضطر الشاعر الى أن يختم الكلام عند التفعيلة السادسة وان كان المعنى الذي يريده قد انتهى عند التفعيل الرابعة بينما يمكنه الأسلوب الجديد من الوقوف حيث يشاء.
وحين جمعت نازك مقالاتها عن الشعر الحر في كتاب (قضايا الشعر المعاصر)، ولم تعد تنظر للجانب الثوري في الحركة ولا للميزات والمحاسن بل هيأت جانباً كبيراً من كتابها لاحصاء العيوب فالحرية براقة تؤدى الى عدم الانتباه الى جودة الهيكل الداخلي وربط المعاني والتدفق يؤدى الى اطالة الجمل اطالة مملة، والخواتم ضعيفة، وان موسيقى التفعيلة رتيبة وأوزان الشعر الحر قليلة.
وحاولت أن تفرد الشعر الحر عروضا خاصا به فأنكرت عليه مجيء الوتد في منتصف الكلمات فيمزقها ولم تجوز الزحاف في جميع تفاعيل البيت وهاجمت التدوير وعدت (مستفعلان) عيبا في قوافي الرجز وذهبت الى أن الأذن العربية لا تستسيغ ذلك كما لا تستسيغ التشكيلات الخماسية التفاعيل والتساعية. ولم تستحسن تنوع الاضرب في سطور القصيدة الحرة.
وبسبب هذا التسرع من قبل نازك في تقنين الحركة الجديدة بدأ مركزها رائدة من روادها يضعف رويدا رويدا وأصبحت كتاباتها النقدية لا تختلف عن كتابات أى ناقد آخر لم يكن له شرف الاسهام في خلق هذا التيار ولا أقول انضاجه.
ومما ساعد هذا الصوت الجديد على ان ينتشر ويتركز، أن ينبري أحد النقاد الكبار لدراسة ديوان من دواوين الشعر الحر فيبدع في تحليله وعرضه فيكون هذا التحليل والعرض لافتة كبيرة رائعة تشد أزره وتسدد خطاه، وأن تكرس مجلة الآداب، البيروتية كل امكانياتها لخدمة هذا الاتجاه.
أما الناقد فهو الدكتور احسان عباس وأما الديوان فهو أباريق مهشمة من شعر عبد الوهاب البياتي وقد تحدث فيه عن الصورة العريضة والطويلة وعن سيزيف وبرومثيوس وعن الباب والجدار وبقية رموز الشاعر ثم حلل بعض قصائده. ومن أجود تحليلاته دراسته قصيدة (أباريق مهشمة) حيث قال:
((الوحدة المركزية تتخلل قصيدة أباريق مهشمة التي تصور لنا طوفان المعري وهو يغسل الارض لا من آثارها وأدرانها بل من ناسها التافهين الذين لا يستحقون الحياة. وتقوم الصورة كلها على معنى الانطلاق ولذلك بدأها الشاعر بقوله الله والافق المنور… وهما يشيران إلى أبعد حدود الانطلاق والعبيد يتأهبون للانطلاق ويتحسسون قيودهم ليكسروها ويتحدون القوى الطاغية فيينون مدائنهم جنب البركان ولا يقنعون بما دون النجوم -انطلاق الى أجواز الافق المنور ـ ويتقوى هؤلاء على انطلاقهم الناري بالحب العنيف – وفي جانب هذه الحركة المندفعة للانطلاق تقف شخوص أخرى متخاذلة -هي التي سيجرفها الطوفان منها باعة الضمائر وهم يتضورون جوعا وأشباه الرجال عود العيون مترددون لا يعيشون الا في الليل كالخفاش … الخ ويمضى الطوفان يجرف في طريقه الاباريق القبيحة والطبول وينطلق النور فيملأ جنبات الكون ويحل الربيع، قال البياتي:
الله والأفق المنور والعبيد
يتحسسون قيودهم:
(شد مدائنك الغداة
بالقرب من بركان فيزوف، ولا تقنع بما دون النجوم
وليضرم الحب العنيف
في قلبك النيران والقرح العميق)
* * *
والبائعون نسورهم يتضورون
جوعاً وأشباه الرجال
عور العيون
في مفرق الطرق الجديدة حائرون
(لابد للخفاش من ليل وان طلع الصباح ….)
الى أن يقول:
نبع جديد
فليدفن الاموات موتاهم وتكتسح السيول
هذى الاباريق الفسحة والطبول
ولتفتح الابواب للشمس الوضيئة والربيع …))
ولقد شجعت حركة الشعر الحر كثيرا من الباحثين على أن يدرسوا البند ويبذلوا محاولات يائسة لأحياء هذا النوع الادبي الذي أهمله التاريخ ولم يكتب له الذيوع وان يتخذ بعض هؤلاء الباحثين من البنود جسرا يربط بين الشعر الحر والقصيدة العمودية متجاهلين كل حلقات التجديد. وموقف دارسي البند ينسجم مع موقف العموديين التي سبق ذكرها من الشعر الحر أيضا فكثير من هؤلاء ما زالوا يعيشون بعقلية ما قبل الديوان ينظرون للقصيدة الجديدة والحرة خاصة وكأنها مباغتة لهم وكأنهم لم يسمعوا أصوات السابقين.. وكأن القبضات القوية التي طرقت أبواب صوامعهم معلنة إضافة شيء جديد للقصيدة الحديثة في نهاية كل عقد من عقود القرن العشرين لم تكن في حسبانهم.