بين صندوق الاقتراع وظلال البديل المستحيل

حيدر فليح الشمري

في كل موسم انتخابي يعود السؤال ذاته، كأن الزمن يدور حوله ولا يغادره، لو لم تكن هناك انتخابات، فكيف ستنتقل السلطة؟

سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه يحمل في عمقه ارتجاج بلدٍ لا يريد أن يعيد زمن الانقلابات ولا يريد أن يُفتح باب الثورات على مصراعيه، لأن العراق أثقلته جراح الأمس، وما عاد يحتمل مغامرة أخرى تُشعل ترابه من جديد.

فالعقل يقول إن السلطة لا تُسلَب بعنف، ولا تُختطف من أفواه البنادق، والمرجعية الدينية، منذ أن وضعت يدها على نبض هذا البلد العزيز، ما فتئت تنادي بالسلام، وتمشي بثبات في طريق الحكمة، ولأن صوتها صوت العقلاء، فقد رفضت الانجرار إلى مشروع الفوضى، ومن هنا تصبح الانتخابات ليست مجرّد خيار دستوري، بل صمّام أمان يمنع انزلاق البلد نحو هاوية لا قرار لها.

وحين قالت المرجعية إن المشاركة في الانتخابات اختيار لا وجوب، فإنها لم تُعفِ الناس من المسؤولية، بل أرادت أن تُسكت أصوات الفاسدين الذين حاولوا أن يعلّقوا فسادهم على جدار المرجعية، زاعمين أنها تُلزم الناس بانتخابهم مهما حصل، فجاء الرد حكيمًا:

المشاركة اختيار، أما النتائج فبيد الناخب، ومن أجل الحد من صعود الوجوه التي جرّبت وفشلت، أشارت المرجعية إلى شعارها الخالد: «المجرَّب لا يُجرَّب»، لكن المؤسف أن بعض الأصوات ما زالت تتكرر، وما زال بعض الناخبين يسلّمون أصواتهم لأولئك الذين أوصلوا البلد إلى أزماته.

ومن الغريب، المؤلم، اللامفهوم، أن تمر خمس دورات انتخابية دون أن يتعلم الناخب الدرس الذي كُتب بالوجع على جدار كل مدينة وقرية، أن الصوت أمانة، وأن الاختيار ليس ترفًا بل مسؤولية ثقيلة تُبنى عليها أعمار الناس ومستقبل أولادهم، ليس من المعقول أن يبقى البعض يدور في الحلقة ذاتها، يعيد الخطأ ذاته، ثم ينتظر نتيجة مختلفة!

وهنا يبرز مشهد آخر يحمل دلالته العميقة : تعطيل الحوزة العلمية لمدة أسبوع، إنه ليس مجرد توقّف لدروس الفقه والبحث، بل رسالة صامتة بحجم الجبال، تقول لكل ناخب، قف مع نفسك، فكّر، راجع، أعد النظر في خياراتك، فالحوزة لا تتعطل إلا لأمرٍ عظيم، شديد الوقع، ثقيل في ميزان القرار، سبعة أيام تكفي لإسكات صخب الدنيا كي يسمع المرء صوت ضميره، لا أصوات المرشحين، تكفي ليقف العراقي أمام ذاته لا أمام لافتة انتخابية .

إن الانتخابات مهما قيل عنها تبقى الطريق الوحيد الذي لا يقود إلى الدم، ولا يُدخل البلاد في دوامة لا يخرج منها أحد، أما العيب فليس في الصندوق، بل في اليد التي تضع الورقة، ليس في النظام، بل في وعي الناخب ذاته، فحين ينهض الناخب إلى مسؤوليته، سيتبدّل وجه البرلمان، وستتغيّر معادلات السلطة، وسيُطوى زمن الفاسدين مهما حاولوا البقاء.

أما إن بقي الحال كما هو، فإن البلد سيدور في دوامة التعب ذاتها، وتبقى الأسئلة معلّقة على أبواب كل دورة انتخابية، تنتظر جوابًا من الناخب لا من السياسي.

وهكذا… يبقى العراق بحاجة إلى يقظة الوعي قبل يقظة الصناديق، وإلى شجاعة الاختيار قبل شجاعة الاحتجاج، وإلى لحظة صدق يواجه فيها الناخب نفسه قبل أن يواجه المرشحين.

قد يعجبك ايضا