ماهين شيخاني
مقدمة: ثقافة “الواجب” أم ثقافة “التغيير”؟
في مشهد ثقافي متنامٍ، تنتشر في روج آفا عشرات الندوات والمحاضرات الثقافية التي تُقام تحت مظلة اتحادات ثقافية ومنظمات مجتمع مدني. لكن يبقى السؤال الأهم: هل تحقق هذه الفعاليات الغاية المنشودة منها فعلاً، أم أنها تحولت إلى طقس شكلي يكرر نفسه دون جدوى؟!
محاضرات بلا عمق.. وأسئلة بلا إجابات
ظاهرة “أنصاف المثقفين” أصبحت واضحة للعيان، حيث يتحول أشخاص دون مؤهلات حقيقية إلى “محاضرين” و”أساتذة” يقدمون معلومات سطحية في أفضل الأحوال، أو خاطئة في أسوئها. فإن “الكثير من المحاضرات يديرها أشخاص غير ملمون أو بالأحرى غير جديرين”، مذكراً بالمثال الصارخ: “أن يأتي المحاضر ويقدم موضوعاً عن الطب والصحة وهو لا يعمل في سلك الصحة ولا يحمل شهادة تؤهله لذلك”.
هيمنة الأحزاب وتأثيرها السلبي
التبعية الحزبية تمثل أحد أكبر التحديات التي تواجه العمل الثقافي الحقيقي. فالعديدة من هذه الاتحادات تحت تأثير وسيطرة الأحزاب، لذا فهي حكماً تخدم مشاريع حزبية على نطاق ضيق”. هذه الهيمنة تحول الفعل الثقافي من وسيلة لإثراء العقل المجتمعي إلى أداة للترويج الأيديولوجي.
المعادلة الثلاثية: محاضر متمكن + موضوع قيم + جمهور مدرك
النجاح الثقافي لا يكمن في إقامة الفعاليات فحسب، بل في تحقيق معادلة متوازنة يحدده: “الموضوع القيم مع محاضر متمكن مع جمهور مدرك تعطي نتيجة إيجابية، وأي خلل في المعادلة تكون النتيجة سلبية”.
الديمومة والاستعراض: معركة البقاء الثقافي
الفعاليات الاستعراضية التي تُقام فقط “لإظهار المنظمة أو الاتحاد بأنهم يتحركون” محكوم عليها بالفشل. بينما الديمومة الحقيقية تحتاج إلى “أرضية خصبة” و”مناخ ديمقراطي” يدعم العمل الثقافي الجاد.
نحو بدائل ثقافية أكثر فعالية
رغم أهمية الندوات والمحاضرات، إلا أن المشروع الثقافي الحقيقي يحتاج إلى:
– برامج تدريبية متخصصة للمحاضرين
– استقطاب الكفاءات الحقيقية بعيداً عن المحسوبيات الحزبية
– تنويع الوسائل الثقافية لتشمل ورش العمل والتطبيقات العملية
– خلق مساحات حوار حقيقية بدلاً من الخطابات الأحادية
خاتمة: الثقافة كفعل تحرري
في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها المنطقة، حيث “شتتت السياسة العقول ومزقت المجتمع”، تبرز الحاجة الماسة إلى “إطار يجمعنا جميعاً على الكلمة الحرة والفكر النيّر”. الندوات والمحاضرات يمكن أن تكون ركيزة مهمة في هذا المشروع، لكن بشروط: أن تكون جادة، ومستقلة، وهادفة إلى بناء الإنسان قبل كل شيء.
النجاح لا يُقاس بعدد الفعاليات، بل بقدرتها على خلق وعي مجتمعي حقيقي، وإنتاج معرفة تثري الحاضر وتصنع المستقبل.