دور وسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل الرأي العام والقيم الاجتماعية

إعداد – التآخي

أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي(Facebook, X, Instagram, Telegram, WhatsApp, TikTok وغيرها) هي الأرضية الجديدة لتشكيل الوعي الجماعي والقيم. إن دورها يتجاوز مجرد تبادل المعلومات ليصبح قوة دافعة في صياغة الرأي العام وتغيير النسيج القيمي للمجتمعات.

وللإضاءة المعمقة بشأن دور تلك الوسائل في تشكيل الرأي العام والقيم الاجتماعية، وجوانبهاالإيجابية والسلبية نقول انها تتلخص في جملة أمور رئيسة منها، تشكيل الرأي العام وصناعته، فلقد أحدثت وسائل التواصل الاجتماعي ثورة في آليات تشكيل الرأي العام، اذ انتقل مركز الثقل من الإعلام التقليدي (صحف، تلفزيون) إلى الفرد والمجموعات الصغيرة.

وتمثلت ادوارها الإيجابية بتعزيز الديمقراطية والمشاركة، فعن طريق ما يمكن ان يسمى صحافةالمواطن، أتاحت المنصات لأي فرد أن يكون ناقلا للخبر وشاهدا على الحدث، هذا يكسر احتكار الحكومات والمؤسسات الكبرى للمعلومة، مما يؤدي إلى زيادة الشفافية والمساءلة.

وتقوم تلك الوسائل بالحشد والتعبئة، اذ تمتلكقدرة هائلة على حشد الجماهير وتنظيمهم حول قضايا محددة في وقت قياسي (كما حدث في الربيع العربي وحركات الاحتجاج العالمية)، مما يعزز المشاركة السياسية والاجتماعية.

وتوفر المنصات مساحة غير مقيدة (إلى حد ما) للنقاش بشأن القضايا الحساسة التي قد تمنع في وسائل الإعلام التقليدية، مما يسهم في تثقيف الجمهور سياسيا وزيادة وعيه.

اما الأدوار السلبية فتبرز بصيغة التضليل والتلاعب)، بوساطة ​غرف الصدى وفقاعات الترشيح (Echo Chambers) اذ ان الخوارزمياتتعرض للمستعملين المحتوى الذي يتفق مع آرائهم المسبقة فقط، مما يؤدي إلى تصلب الآراء وتعميق الانقسام المجتمعي، ويصعّب على الأفراد رؤية وجهات النظر الأخرى.

وهناك ثمة الأخبار الكاذبة والتضليل (Fake News) اذ ان سرعة الانتشار الفائقة تجعل الشائعات والأخبار المغلوطة تنتشر قبل أن يتسنى للمصادر الموثوقة تفنيدها. يجري استغلال هذا للتلاعب بنتائج الانتخابات أو توجيه الرأي العام نحو قضايا معينة.

ويعتمد الرأي العام الآن على ما هو “الأكثر ضجيجا” أو “الأكثر تفاعلا” بدلا مما هو “الأكثر أهمية”، مما يقلل من الاهتمام بالقضايا الجادة والطويلة الأمد.

وتؤثر وسائل التواصل في منظومة القيم الاجتماعية اذ ​تعمل هذه المنصات كـ “مُسرّع ثقافي”، حيث تعرض الأفراد لتنوع ثقافي هائل، مما يضع القيم التقليدية في مواجهة دائمة مع قيم العولمة والحداثة.

الآثار الإيجابية تتمحور حول التنوع والانفتاح و التعاطف والتضامن بتعزيز التكافل العابر للحدود عن طريق نشر قصص إنسانية وحملات تبرع عالمية، مما يدعم قيمة التعاطف الإنساني.

وتعزز المنصات قيم التسامح والقبول، بالانفتاح على ثقافات وأنماط حياة مختلفة، يمكن لوسائل التواصل أن تسهم في قبول الآخر المختلف (دينيا، عرقيا، فكريا)، شريطة أن يجري ذلك في بيئة إيجابية.

وتتميز كثير من وسائل التواصل الاجتماعي بسهولة نشر الحملات التوعوية بشأن الصحة العامة وحماية البيئة والمبادرات المجتمعية.

اما آثارها السلبية فيمكن ان تسهم بالتفكك والتغير القيمي في تكريس ​سطحية العلاقات والقيم بالتركيز على المظاهر الخارجية (الصور، الإعجابات) يؤدي ذلك إلى تحول القيم من الجوهر (الإنجاز، الأخلاق) إلى المظهر، مما يرسخ ثقافة الاستهلاك والمثالية الزائفة.

وقد تنشر الوسائل خطاب الكراهية بسهولةبإنشاء حسابات مجهولة تتيح لمرتكبيها نشر التعصب، والتنمر، والتحريض على العنف ضد فئات محددة، مما يفكك النسيج الاجتماعي.

وان التغير السريع في القيم لدى جيل الشباب المتفاعل مع المنصات قد يخلق فجوة عميقة وصراعا مع قيم الأجيال الأكبر، بخاصة فيما يتعلق بخصوصية الأسرة، او النوع الاجتماعي “الأدوار الجندرية، وقيم العيب والتقاليد.

​​إن دور وسائل التواصل الاجتماعي هو دور المرآة والمُضخم في آن واحد. هي تعكس ما في المجتمع وتضخمه. ولكي نستفيد من إيجابياتها ونتجنب سلبياتها، يصبح الأمر مسؤولية مشتركة.

فمسؤولية الفرد تتركز في التفكير النقدي وعدم القبول بأي معلومة قبل التحقق من مصداقيتها؛ و مسؤولية المجتمع والمؤسسات التعليمية: عن طريق غرس التربية الإعلامية والرقمية في النشء، لتعليمهم كيفية استغلال هذه الأدوات بوعي وأخلاق. وهناك مسؤولية الدولة بوضع إطار قانوني للحد من خطاب الكراهية والتضليل، مع الحفاظ على حرية التعبير.

آليات مكافحة خطاب الكراهية والأخبار الكاذبة

تتطلب مكافحة سلبيات الآفات الرقمية استراتيجية متعددة الأوجه تشمل المنصات نفسها، والحكومات، والمستخدمين.

يجب تطوير نماذج ذكاء اصطناعي متقدمة للكشف عن أنماط خطاب الكراهية، والتضليل المتعمد، والمحتوى المتطرف فور نشره، وبشكل خاص في اللغات الأقل انتشارا.

التدقيق البشري والمجتمعي بتوظيف فرق بشرية ضخمة مدربة على السياقات الثقافية واللغوية المختلفة لمراجعة المحتوى المبلغ عنه، ووضع سياسات استخدام واضحة (Community Guidelines) ومتابعة مؤشرات المصداقية (Fact-Checking) بالتعاقد مع مؤسسات تدقيق حقائق مستقلة مثل شبكة IFCN لوضع علامات تحذير واضحة على المنشورات الكاذبة أو المضللة، وتخفيض مدى انتشارها (Demotion) .

ويتوجب توفير الشفافية في الإعلانات، وذلكبفرض قواعد أكثر صرامة على الإعلانات السياسية والاجتماعية التي تظهر على المنصة، والكشف عن الجهة الممولة لها.

ويبرز ايضا دور الحكومات والمؤسسات القانونية، بالتشريع والقوانين، وذلك بسن قوانين صارمة وواضحة تجرم نشر الكراهية والتحريض على العنف والتمييز، مع تحديد عقوبات رادعة للمخالفين، واجراء التربية الإعلامية والرقمية بإدراج مناهج تعليمية في المدارس والجامعات تركز على تنمية مهارات التفكير النقدي، وكيفية التمييز بين المصادر الموثوقة والمضللة، وفهم آليات عمل الخوارزميات، والتعاون مع المنصات ببناء قنوات اتصال فعالة مع شركات التواصل لتسهيل إزالة المحتوى المخالف للقوانين الوطنية والدولية.

اما دور المستخدم والمجتمع المدني فيتمثل بالتبليغ المسؤول (Reporting) وذلك بتشجيع المستخدمين على الإبلاغ عن المحتوى المسيء أو الكاذب بدلا من مجرد تجاهله أو إعادة نشره، وتجنب المشاركة العاطفية بمقاومة الميل إلى إعادة نشر المحتوى الذي يثير الغضب أو العواطف القوية قبل التحقق من صحته، لأن هذا هو الهدف الأساسي للمضللين، و دعم المحتوى البديل عن طريق دعم الناشرين والمؤسسات الذين ينتجون محتوى إيجابيا وموثوقا ليزاحم المحتوى السلبي والعدواني.

أثر وسائل التواصل الاجتماعي على الصحة النفسية

برغم فوائدها في التواصل، فإن الاستعمال المفرط وغير الواعي لهذه المنصات له تداعيات خطيرة على الصحة النفسية، لاسيما بين الشباب والمراهقين، ومن ذلك القلق والاكتئاب والشعور بالدونية، و المقارنة الاجتماعية التصاعدية، اذيتعرض المستخدمون باستمرار لصور حياة مثالية ومعدلة (أجساد مثالية، رحلات فاخرة، نجاحات باهرة)؛ هذه المقارنة المستمرة مع “أفضل ما لدى الآخرين” تؤدي إلى الشعور بالفشل، والنقص، وانخفاض تقدير الذات (Low Self-Esteem) ورهاب فوات شيء (FOMO – Fear of Missing Out) والقلق المستمر من أن الآخرين يمرون بتجارب ممتعة ومهمة، فيما يغيب هو عنها، مما يخلق شعورا بالعزلة والوحدة برغم كثرة الاتصالات.

ويمكن ان تؤدي وسائل التواصل الى اضطراب النوم وتشتت الانتباه، اذ ان   التعرض لشاشات الأجهزة في وقت متأخر يثبط إفراز هرمون الميلاتونين المسؤول عن النوم، مما يؤدي إلى اضطرابات الأرق ونوعية نوم رديئة.

ان التصميم المعتمد على الإشعارات المستمرة والمحتوى القصير والسريع كـ Reels و TikTok يدرب الدماغ على طلب الإشباع الفوري، مما يقلل من القدرة على التركيز الطويل، والقراءة المتعمقة، والقيام بالمهام التي تتطلب جهدا ذهنيا مستداما.

كما يبرز دور التنمر الإلكتروني والعزلة الاجتماعية، فالتنمر (Cyberbullying) يوفر فيه الفضاء الإلكتروني بيئة آمنة للمتنمرين (غالبا بأسماء مستعارة) لمهاجمة الأفراد بشكل مستمر وعلني، مما يؤدي إلى ضغوط نفسية حادة، وفي أسوأ الحالات قد يدفع إلى أفكار الانتحار.

وتتدهور العلاقات الواقعية اذ ان قضاء وقت طويل في التفاعل الافتراضي يأتي على حساب العلاقات الاجتماعية الحقيقية وجها لوجه، مما يزيد من الشعور بالوحدة الحقيقية على المدى الطويل.

اما سُبل الحماية النفسية فتتمثل في اليقظة الرقمية (Digital Well-being) وذلك بتفعيل أدوات التحكم في وقت الشاشة المتاحة على الأجهزة والمنصات، وتحديد “مناطق خالية من التكنولوجيا” (مثل غرفة النوم أو طاولة الطعام)، وإدارة التغذية البصرية بإلغاء متابعة الحسابات التي تسبب التوتر أو المقارنة، ومتابعة المحتوى الذي يركز على التعليم، التحفيز، والصحة العقلية.

ومن الضروري تعزيز الوعي الذاتي بتشجيع الأفراد على التفريق بين “الواقع الافتراضي” و “الواقع الحقيقي”، وتنمية قيمهم الداخلية بدلا من البحث عن التحقق عن طريق “الإعجابات” (Likes) .

المخاطر على الاطفال والعائلات

تؤثر وسائل التواصل الاجتماعي على الأطفال والأسرة بشكل إيجابي وسلبي، وتشمل التأثيرات الإيجابية التواصل والتعلم وبناء العلاقات، فيما تشمل التأثيرات السلبية الإدمان والتنمر الإلكتروني والقلق والاكتئاب وتفكك الأسرة.

من التأثيرات الإيجابية تعزيز التواصل، اذتسمح بالتواصل مع الأصدقاء والعائلة بسهولة، وتوسيع شبكة العلاقات الاجتماعية، وتؤمن فرص التعلم بتوفر مصادر معلومات متنوعة وفرصا تعليمية عن طريق المحتوى الهادف ومتابعة الخبراء في مجالات متنوعة.

وكثيرا ما تؤمن منصات التواصل الدعم الاجتماعي لاسيما في الدول المتقدمة بالانضمام إلى مجموعات ومنتديات تناقش مواضيع مشتركة، مما يوفر الدعم والمشورة (مثل مجموعات الدعم النفسي)، والتعبير عن الذات، اذ تمثل منصة للتعبير عن الأفكار والمشاعر، مما يساعد على بناء الثقة بالنفس.

اما التأثيرات السلبية فربطت الدراسات زيادة استعمال وسائل التواصل الاجتماعي بزيادة مستويات القلق، والاكتئاب، والتوتر، بخاصة بين المراهقين، ويمكن أن تؤدي إلى الإدمان وتشتيت الانتباه، مما يؤثر على التحصيل الدراسي والإنتاجية، وتعرض الأطفال لشتىأشكال التنمر الإلكتروني والعنف اللفظي، مما يسبب مشكلات نفسية خطيرة.

كما انها كثيرا ما تعرض الأطفال الى المحتوى غير المناسب بصيغة محتوى عنيف، أو إباحي، أو معلومات مضللة، أو أفكار شاذة لا تتناسب مع أعمارهم، وتؤدي المقارنات المستمرة مع ما ينشره الآخرون إلى الشعور بعدم الرضا عن الحياة الشخصية. يمكن أن تحدد طبيعة استغلالالمراهقين لوسائل التواصل الاجتماعي أيضا مدى تأثيرها؛ فعلى سبيل المثال، يمكن أن تسبب مشاهدة أنواع معينة من المحتوى زيادة مخاطر الصحة العقلية التي قد يتعرض لها المراهق.

ويمكن أن تشمل هذه الأنواع محتوى يقدم ما يلي: أفعالا غير قانونية، إيذاء للنفس أو الآخرين، التشجيع على عادات مرتبطة باضطراب الشهية، مثل إفراغ الأمعاء والأكل الانتقائي.

وقد يسبب الإفراط في استخدامها انعزال الزوجين عن بعضهما البعض أو عن الأبناء، مما يؤثر سلبا على تماسك الأسرة، وقد تؤثر مشاهدة المحتوى قبل النوم على جودة وكمية النوم لدى الأطفال، مما يؤدي إلى اضطرابات.

وللتخفيف من السلبيات ينبغي تحديد وقت الشاشة بوضع حدود واضحة لوقت استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي وإشراف الوالدين بمراقبة المحتوى الذي يتعرض له الأطفال، لاسيما في السنوات الأولى من عمرهم، وتحديد وقت محدد لها.

وتشمل المعالجات تعليم الأطفال على أهمية الخصوصية، وخطورة مشاركة المعلومات الشخصية، وكيفية التعامل مع المتنمرين الإلكترونيين، وعلى الابوين تفعيل إعدادات الخصوصية، يمكن أن يساعد هذا على منع الابنالمراهق من مشاركة معلومات أو بيانات شخصية لا يقصد مشاركتها، وان لكل حساب من حسابات الابن المراهق على وسائل التواصل الاجتماعي على الأرجح إعدادات للخصوصية يمكن تغييرها،

توصي الجمعية الأمريكية لعلم النفس بمراقبة ومراجعة استعمال ابنك لوسائل التواصل الاجتماعي في سنوات المراهقة المبكرة.

ومن الطرق المفيدة في ذلك متابعة حسابات ابنك على وسائل التواصل الاجتماعي أو إضافتها إلى قائمة الأصدقاء. ومع تقدم ابنك المراهق في العمر، يمكنك عندئذ اختيار تقليل وتيرة مراقبته على وسائل التواصل الاجتماعي، وقد يتأثر قرارك بمستوى نضج ابنك.

وتتيح وسائل التواصل الاجتماعي للشباب إمكانية إنشاء هويات عبر الإنترنت والدردشة مع الآخرين وتكوين شبكات اجتماعية، ويمكن أن توفر هذه الشبكات فرصة للمراهقين للحصول على الدعم من أشخاص آخرين لديهم هوايات أو تجارب مشتركة. وهذا النوع من الدعم خاصة قد يساعد المراهقين الذين، يفتقرون إلى الدعم الاجتماعي في الواقع أو يشعرون بالوحدة، او يمرون بوقت عصيب ومسبب للتوتر، او ينتمون إلى مجموعات تتعرض للتهميش عادة، مثل الأقليات العرقية وما يسمى “مجتمع الميموذوي القدرات المختلفة، او من يعانون من حالات مَرَضية طويلة الأجل.

وأحيانا، تساعد وسائل التواصل الاجتماعي المراهقين على التعبير عمَا بداخلهم، والتواصل مع مراهقين آخرين على النطاق المحلي ومن تفصلهم عنهم مسافات طويلة، وتعلم كيف يواجه المراهقون مواقف الحياة الصعبة وحالات الصحة العقلية، و الاطلاع على منتديات الدردشة الخاضعة للإشراف أو المشاركة فيها، اذ تشجع على التحدث بصراحة عن موضوعات مثل الصحة العقلية وطلب المساعدة أو الرعاية الصحية لأعراض حالات الصحة العقلية.

هذه التأثيرات الصحية لوسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن تساعد المراهقين بشكل عام،وقد تساعد أيضا المراهقين المعرضين للاكتئاب على البقاء على تواصل مع الآخرين؛ وقد يساعد المحتوى الفكاهي أو المسلي لوسائل التواصل الاجتماعي المراهق الذي يواجه صعوبات في التعامل مع يوم صعب بتحسين مزاجه.

قد يعجبك ايضا