الكرامات فوق كل الاعتبارات والرسميات…….

د. ابراهيم احمد سمو

في لقاءٍ تلفزيوني جريء وصريح جداً مع السيد فاضل ميراني، عُرض على شاشة كوردستان 24 في تمام الساعة التاسعة من مساء يوم السبت الموافق 8 تشرين الثاني/نوفمبر 2025،اشار سيادته الى عدة امور مهمة، لذلك ارتأيت ان اتناول اللقاء من خلال هذا اللقاء.

في زمنٍ تتكاثر فيه الأصوات وتختلط فيه المواقف، يظهر أحياناً صوت يخرج من عمق التجربة، لا ليزيد الجدل اتساعاً، بل ليضع النقاط على الحروف ويعيد تعريف المعاني التي أوشكت أن تُنسى. كان ذلك الصوت في إحدى أمسيات كوردستان، حين نُطق بالحق في لحظة اختناق، وحين ارتفعت نبرة الحقيقة فوق كل حسابات المهادنة والمجاملات السياسية.

ذلك اللقاء لم يكن حواراً عابراً بين سياسيّين، بل شهادة من رجلٍ حمل ذاكرة التاريخ على كتفيه، ومضى في دروب النضال منذ كانت الأرض رماداً والسماء ملبّدة بالخوف. خرج من صمته الطويل ليقول ما لم يُقل، وليعيد إلى الخطاب السياسي هيبته التي كادت تضيع وسط ضجيج الادعاءات والاتهامات.

لم يكن حديثه انفعالَ لحظة، بل نتاج عمرٍ من التجربة والرؤية والوفاء. كان حديث مَن رأى بأمّ عينيه كيف تُبنى الأوطان، وكيف تُهدم أيضاً حين تُختزل الكرامة في المكاسب الصغيرة. كانت كلماته صادقة حدّ الوجع، واضحة كالشمس، تفيضُ بمرارة السنوات وحرقة المواقف.

لقد اعتاد هذا الرجل الهدوء طيلة مسيرته، متّزناً في القول، عاقلاً في الفعل، مؤمناً بأن الصمت أحياناً أبلغ من الكلام. غير أنّ الصمت حين يُساء إلى الكرامة يتحوّل إلى خيانة للنفس وللتاريخ. فخرج اليوم صوتُه ليذكّر أن كرامة الكبار لا تُمسّ، وأن الاحترام المتبادل هو الأساس الذي تقوم عليه السياسة الشريفة.

لقد تحدّث لا ليهاجم، بل ليحمي. لم يتكلّم من موقع الغضب، بل من موقع الحارس الأمين لذاكرةٍ مشتركة حاول البعض تشويهها. كانت كلماته نابعة من وجدانٍ يعرف قيمة الأرض والناس والتضحيات. لذلك لم يكن الدفاع عن حزبٍ أو جهةٍ بعينها، بل عن مبدأٍ أسمى: أن تبقى كوردستان فوق الخلاف، وأن تبقى الكرامة البوصلة مهما اشتدت العواصف.

كان اللقاء بمثابة جرس إنذارٍ لكل من ظنّ أن بإمكانه أن يطعن في تاريخٍ صُنع بالدم والدموع. فالتاريخ لا يُزوّر، ومن يحاول ليّ عنقه إنما يكشف ضعف حجته. لقد أظهر المتحدث أن الصمت أحياناً فضيلة، لكنه يصبح عاراً إن كان على حساب الكرامة. ففي زمن التهجم والتجريح، لا بد من صوتٍ يعيد التوازن، لا بالصراخ بل بالحجة والعقل.

كانت رسالته واضحة: “لسنا أبناء الانفعال، لكننا لا نقبل الإهانة.”
بين الاعتدال والردّ، اختار الخط الثالث: الحزم الواعي. لم يهبط إلى مستوى الخصومة، بل ارتفع فوقها، متسلّحاً بالحقائق والتاريخ والقرآن، ليذكّر أن السياسة إذا فقدت أخلاقها، فقدت معناها.

أولئك الذين حاولوا تحويل الخلاف إلى معركة شخصية، وجدوا أنفسهم أمام حائط من الثبات والعقل. فالرجل لم يتحدث عن ذاته، بل عن إرثٍ كاملٍ من النضال، عن مسيرةٍ تمتد من قمم الجبال إلى قاعات الحكم، عن حلمٍ أراد البعض دفنه غير أنه ما زال حياً في ضمير كل مؤمن بعدالة القضية.

كان اللقاء مرآةً تُظهر بوضوح الفارق بين من يسعى لبناء وطن ومن يسعى لبناء منصب، بين من يتحدث بعقل الدولة ومن يتحدث بلغة الغنيمة. ففي كل كلمة نطقها، كان التاريخ حاضراً، يذكّر بأن من أرادوا إسقاط الحلم في الأمس قد انتهوا، وبقيت الفكرة التي لا تموت لأنها خرجت من رحم الإيمان لا المصلحة.

ولعلّ أعظم ما ميّز الحوار هو تلك الموازنة الدقيقة بين القوة والتهذيب، بين الغضب والاتزان. فحين تجاوز البعض حدود الأدب السياسي، لم يردّ بالمثل، بل قدّم درساً في الكياسة والكرامة معاً. استخدم التاريخ لا كسلاح، بل كمرجع، والآيات لا كشعار، بل كمنهج. كانت لغته عميقة كأنها تستحضر أرواح الذين مضوا في سبيل كوردستان، الذين آمنوا أن الصدق وحده هو ما يبقى بعد أن تهدأ العواصف.

لقد تحدّث كمن يحمل وجع الوطن لا غضب الذات، كمن يرى في الانقسام خطراً على المستقبل قبل أن يكون اختلافاً في الحاضر. ذكّر الجميع بأن الحروب الداخلية لا تُبقي ولا تذر، وأن من يعبث بخيوط الوحدة إنما يعبث بمصير أمة.

في عباراته الأخيرة، حين فضّل أن يُحيل بعض الأسئلة إلى القيادة العليا، بدا كمن يقول: “ثمة وقت للحديث، ووقت للصمت.” فالصمت حين يكون في خدمة الدولة، يصبح أبلغ من أي تصريح. بذلك الموقف أنهى الحوار كما بدأه — بكبرياء لا تصطنع، وباتزان لا يتكلف.

كان مؤلماً أن يُضطر صوت الاعتدال إلى رفع نبرته، لأن ما يجري لم يعد خلافاً سياسياً بل تعدّياً على القيم ذاتها. فحين يسقط الحوار في فخ الشتيمة، لا يعود الحديث عن برامج ورؤى، بل عن سقوط في الأخلاق السياسية. وهنا فقط يُصبح الردّ واجباً، لا ترفاً.

الذين يعرفون الرجل عن قرب يدركون أنه آخر من يحب المواجهة السياسية مع الاحزاب السياسية . تربّى على أن الاحترام أصل السياسة، وأن الوفاء للرموز ليس انغلاقاً بل وعي بالتاريخ. لذلك حين ردّ، ردّ من موقع الكرامة لا الغضب، ومن موقع المسؤولية لا الانتقام.

لقد كان اللقاء درساً في كيفية الردّ دون أن تنزلق إلى مستوى الخصم، وكيف تحوّل الهجوم إلى فرصة لإظهار الثبات. لم يكن الخطاب دفاعياً، بل تأسيسياً — تأسيس لمنهج في الردّ الراقي الذي يحفظ الهيبة دون أن يفقد الإنسانية.

ومن بين سطور ذلك الحوار، برزت جملة تختصر المعنى كلّه: أن كرامة كوردستان فوق كل اعتبار. هذه الجملة وحدها كانت كافية لتعيد ضبط البوصلة السياسية، ولتذكّر من نسي أن الأحزاب وُجدت لخدمة الوطن لا العكس.

إن الذين يفهمون السياسة بلغة الأرقام والمناصب فقط، لم يدركوا بعد أن التاريخ لا يرحم من يساوم على المبادئ. فالكراسي زائلة، لكن الكرامة باقية، والعار لا يُغسَل بخطابات ولا بتحالفات مؤقتة.

من يستمع إلى هذا الخطاب، يدرك أن بين الكرامة والعار خيطاً رفيعاً، لا يراه إلا من امتلك البصيرة. الكرامة ليست في الصراخ ولا في رفع الشعارات، بل في الثبات على الموقف حين يلوّح الجميع بالمصالح.

ذلك اللقاء سيبقى علامة فارقة في الذاكرة السياسية الكوردية؛ لأنه لم يكن دفاعاً عن شخص أو حزب فقط ؛ بل عن فكرة أن كوردستان تستحق خطاباً نزيهاً يعلو فوق الأحقاد. لقد جاء الردّ مؤلماً لأنه صادق، وقاسياً لأنه عادل، وصريحاً لأنه من القلب.

وفي زمنٍ امتلأ بالمزايدات، كان صوت الحقيقة هذا بمثابة صفعةٍ على وجه الزيف، يذكّر أن الشرف السياسي لا يقاس بالتحالفات، بل بمدى صدقك مع نفسك ومع تاريخك.

إن الدروس التي خرجت من ذلك اللقاء لا تُعدّ ولا تُحصى، لكن أهمها أن الكرامة لا تُناقش، وأن من يفرّط فيها مرة لن يجدها ثانية. الكرامة ليست شعاراً يُرفع، بل سلوك يُمارس، وهي المعيار الأوحد الذي يميّز بين القائد والسياسي، بين التاريخي والعابر.

ربما لم يُرد المتحدث أن يكون بطلاً، لكنه خرج بطلاً لأنه قال الحقيقة في زمنٍ صعب. ومهما اختلفت القراءات والتأويلات، فإن جوهر الموقف سيبقى: أن كوردستان أكبر من الخلاف، وأن الصمت حين يُمسّ الشرف ليس من الأدب بل من الضعف.

وهكذا، لم يكن اللقاء مجرد حديث إعلامي، بل بياناً أخلاقياً يعيد تعريف معنى الانتماء، ويمحو الغبار عن قيمٍ أراد البعض طمسها. فالكلمة الصادقة، مهما أوجعت، تبقى أنبل من صمتٍ يُغري الباطل بالتمادي.

في النهاية، يتبيّن أن بين الكرامة والعار خيطاً رفيعاً، لا يُمسكه إلا من عرف قدر التاريخ، وفهم أن الكرامات لا تُقاس بالمناصب، بل بالمواقف. فكم من صغيرٍ رفعته كلمة حق، وكم من كبيرٍ أسقطه صمت الجبن.

الكرامة لا تحتاج إلى تبرير، لأنها الحقيقة التي لا تُساوم، والنور الذي لا ينطفئ مهما كثرت الظلال

قد يعجبك ايضا