محمد علي محيي الدين
على ضفاف الفرات، في مدينة الحلة التي تتنفس الحكايات وتنام على أكتاف المجد، وُلد عام 1965 فتى اسمه عباس، حمل لقب “الجراخ” ولم يكن يدري أن اسمه سيُقرن يومًا بما يشبه الأسطورة في عالم التحقيق الأدبي والتراثي. ومن محلة الجامعين، حيث يختلط أذان العصر بنغمة الطين، خرج ذلك الفتى ليكون كاتب الظلال، لا يلهث خلف الضوء، بل يسير في الهامش، فينعطف فجأة ليملأ الساحة.
ما بين سطور دراسته الأولى، كان هناك ما يشبه النبوءة. فحين اختار اللغة العربية في جامعة بغداد، لم يكن اختياره بدافع تخصص عادي، بل كان انتماءً. وحين دخل أروقة قسم اللغة، بدا كأنه يعود إلى أهله الأولين، أولئك الذين صنعوا اللغة وحرّروها على السطور، ونحتوا فيها للمعاني مقامًا ومحرابًا.
بعد تخرجه، شرع في رحلة التعليم، لكنه لم يكن معلمًا ينقل دروس النحو فقط، بل كان “مُوقظًا” لما هو أعمق: ذاكرة النص العربي. وتجلّت أولى إشارات هذه المهمة حين أنجز رسالته للماجستير عن ديوان سيف الدين المشد، فأعاد الاعتبار لشاعر مجهول، وفتح بابًا ظنّه كثيرون قد أُغلق للأبد.
مخبرُ الحروف ومختبر التحقيق
الجراخ في التحقيق لا يشبه أحدًا. لا يندفع بقوة الموهبة وحدها، ولا يركن إلى المراجع الجاهزة، بل يصنع منهجيته الخاصة، ويدخل النصوص كما يدخل عالمًا من الأسرار. وقد تجلى ذلك في أطروحته للدكتوراه “تحقيق النصوص الأدبية واللغوية ونقدها في العراق”، التي لم تكتف بإعادة ترتيب المشهد، بل قسّمته علميًا، وسلط عليه نقدًا منهجيًا جعل منها مرجعًا بحد ذاته.
تُطبع أعماله في عمّان والقاهرة وبيروت، لكنه بقي في الحلة، حيث يعرف الذاكرة وأين تُخزّن، ويعرف من يستحق الإنقاذ من غبار الإهمال. كتاباته تراوح بين ثلاثة عوالم: التحقيق، والدراسة النقدية، والمستدرك على ما فات غيره. وحين يختار شاعرًا كاد يُنسى، لا يكتفي بجمع شعره، بل يضيء جوانب من سيرته، يراجع مصادرها، ويطابق النسخ، ويستنطق الهوامش.
أعادت مطبعته ومطبوعاته الاعتبار لخمسة قرون من الشعراء المنسيين. وقد تتابعت أعماله بدءًا من ديوان يوسف بن لؤلؤ، مرورًا بـأحمد بن معقل الأزدي وعبد الملك الحارثي، وصولًا إلى ابن الخيمي وابن العرندس والحسن بن راشد الحلي. ويمثل كل ديوان من هذه الدواوين قصة بعينها، وفي كل قصة جهد يعادل تأليف مجلد.
النقد لا يكتمل إلا به
لا تُذكر كلمة “نقد التحقيق” اليوم إلا واقترن اسم الجراخ بها، فقد كان من الأوائل الذين نقدوا المنهج نفسه، وواجهوا بعض محققي التراث بما فاتَهم، أو ما أغفلوه. وفي كتابه “في نقد التحقيق” لم يكتف بجلد الغفلة، بل اقترح البديل، وحدد المعيار، وفكّك النصوص المدعاة، وميز بين التحقيق “النزيه” والتحقيق “الملفق”.
قال عنه أحد النقاد العرب: “لو خُيّرت بين عشرات التحقيقات التجارية، وتحقيق واحد للجراخ، لاخترت تحقيقه، لأنه يعيد خلق النص، لا نسخه فقط.”، فيما كتب آخر: “في كتبه تجد الأصالة والحداثة معًا؛ فهو لا يستخرج فقط، بل يختبر ويحلل ويُشخص ويضع اقتراحاته للمستقبل.”
واعتبره بعض أساتذة الدراسات العليا في الجامعات العراقية والعربية “المرجعية الأولى في نقد المدوّنات الشعرية”، واعتُمدت أعماله نماذج في كليات الآداب في بغداد والبصرة والقاهرة وتونس.

المكتبة التي سار بها وحده
حين نحصي ما نشره الجراخ، يبدو أننا أمام مكتبة تمشي على قدمين. أكثر من خمسين مؤلفًا مطبوعًا، وعشرات المقالات في أهم المجلات العربية المحكمة، من المورد والذخائر وآفاق الثقافة والتراث إلى مجمع اللغة العربية بدمشق والمخطوطات العربية. وهو حاضر دائمًا في المؤتمرات، لا ليتحدث عن نفسه، بل ليُضيء نصًا، أو يُصلح خطأ، أو يُكمل نقصًا.
ومع كل هذا، لم يتورط الجراخ في استعراض الذات، بل ترك كتبه تتحدث عنه. وبقي مؤمنًا أن وظيفة الباحث ليست أن يُحتفى به، بل أن يَحتفي هو بالنص.
مقامُه في مؤسسات المعرفة
من يُراجع هيئات تحرير المجلات الثقافية الرصينة، سيجد اسم عباس الجراخ فيها دائمًا: رئيس تحرير مجلة المحقق، عضو تحرير في المورد، مقوم علمي لمجلات الخزانة ومخطوطاتنا وتراث كربلاء، وغيرها من مجلات البحث التراثي. لكن ما يميز وجوده في هذه المؤسسات ليس عضويته فقط، بل أثره العلمي الملموس، وملاحظاته الدقيقة التي تتناقلها لجان التحكيم كقواعد أكاديمية.
وكان حضوره في مؤتمر المجمع العلمي العراقي عام 2023 لافتًا، حيث كرّم بصفته “أحد أبرز المحققين المعاصرين في العراق”، في لحظة اعترف فيها الوسط العلمي بأن جهود الجراخ لم تعد مجرد أعمال، بل صارت مدرسة.